تكثّف المكسيك في السنوات الأخيرة معركتها لاستعادة تراثها الأثري المنتشر خارج حدودها، واضعة ملف "استرجاع الكنوز" في صدارة أجندتها الدبلوماسية والثقافية.
وبين مبادرات فردية بالتسليم الطوعي، ومواجهات قانونية مع دور مزادات، وضغوط رسمية على دول أوروبية، تتشكل حملة متعددة المسارات هدفها إعادة آلاف القطع إلى موطنها الأصلي.
رصدت صحيفة لوموند الفرنسية هذا المسار في تقرير مفصّل من مكسيكو سيتي يضيء على التحركات المكسيكية، وعلى الدور الفرنسي في هذا الملف الشائك.
تبرعات طوعية تقابلها مزادات مثيرة للجدل
يروي التقرير قصة لافتة كُشف عنها خلال مؤتمر صحفي للرئيسة المكسيكية، حيث أعلن مستشارها لشؤون التراث خوسيه ألفونسو سواريز ديل ريال أن شابا فرنسيا يعمل موظف استقبال في فندق بباريس تبرّع بمجموعة "مهمة" من القطع الأثرية للمكسيك بعدما ورثها عن أجداده، مفضّلا إعادتها بدل بيعها في المزادات. واعتبر المسؤول المكسيكي أن هذا السلوك يعكس حساسية متزايدة داخل المجتمع الفرنسي تجاه مسألة الاسترداد.
لكن هذه الصورة الإيجابية تزامنت مع ملف آخر أقل ودا، تمثّل في بيع 48 قطعة ما قبل إسبانية في مزاد بباريس عبر دار "بونهامز" في ديسمبر 2025، رغم احتجاجات رسمية مكسيكية.
وأقرّ المسؤول بأن البيع تمّ فعلا، معبّرا عن أسف بلاده لغياب تقدّم من جانب الدولة الفرنسية في وقف مثل هذه العمليات، بينما أكدت دار المزادات أن القطع جاءت من مجموعة أوروبية خاصة وأن اقتناءها "قانوني" وفق التشريعات الفرنسية.
جهاز دولة كامل لاستعادة التراث
بحسب التقرير، تحوّل ملف استعادة الآثار إلى سياسة دولة في المكسيك منذ عهد الرئيس أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، وتواصلت مع الرئيسة الحالية كلاوديا شينباوم. تم إنشاء منظومة رسمية كاملة لمتابعة هذا الملف، تتولى فيها مؤسسات علمية وقانونية ودبلوماسية أدوارا متكاملة.
يقود المعهد الوطني للأنثروبولوجيا والتاريخ هذه الجهود، عبر توثيق القطع، وإثبات أصالتها، والطعن في عمليات البيع، وإحالة الملفات إلى الادعاء العام المكسيكي الذي يفتح تحقيقات بشكل منهجي. كما تتحرك وزارتا الخارجية والثقافة لتقديم احتجاجات رسمية وإخطار اليونسكو.
ويؤكد مدير المعهد أن المكسيك استرجعت منذ عام 2018 أكثر من 16 ألفا و300 قطعة أُعيدت طوعا من أفراد ودول، بينها إيطاليا وهولندا وألمانيا، إضافة إلى الولايات المتحدة وكندا.
أما في فرنسا، فحالات الاستعادة جاءت من أفراد فقط، بينما لم تنجح المساعي في وقف مزادات كبرى، رغم أن المعهد تمكّن أحيانا من إلغاء مبيعات بعد إثبات أن بعض القطع مزيّف أو مسروق.
