إذا كنت تستيقظ بشكل متكرر عند الثالثة فجراً وتجد صعوبة في العودة إلى النوم، فقد لا يكون ذلك دليلاً على خلل في نومك كما يُعتقد. فقد تشير أبحاث علمية وتاريخية إلى أن الاستيقاظ في منتصف الليل كان جزءاً طبيعياً من نمط نوم الإنسان قبل ظهور الإضاءة الحديثة والحياة العصرية، بحسب دراسة جديدة لـ"ساينس أليرت".

وقبل الهواتف الذكية والمصابيح الكهربائية، لم يكن النوم المتواصل طوال الليل أمراً شائعاً كما هو اليوم. ففي العديد من الثقافات، كان الناس يذهبون إلى الفراش بعد ساعات قليلة من غروب الشمس، ثم يستيقظون قرب منتصف الليل لمدة ساعة أو أكثر، قبل العودة إلى النوم حتى الفجر.

ويُعرف هذا النمط باسم "النوم المجزأ" (Segmented Sleep). وقد تتبع مؤرخ النوم روجر إيكيرش أكثر من ألفي إشارة إلى هذا النوع من النوم في وثائق تعود إلى قرون، بينها سجلات قضائية ونصوص طبية ورسائل وقصائد، وصولاً إلى أعمال أدبية.

وكان مصطلحا "النوم الأول" و"النوم الثاني" مألوفين لدرجة أن الكتّاب لم يكونوا بحاجة إلى شرحهما للقراء، لأن الجميع كانوا يعرفون معناهما.

لكن مع الثورة الصناعية وانتشار الإضاءة الاصطناعية، تغيرت العادات تدريجياً. فقد سمح الضوء الكهربائي للناس بالبقاء مستيقظين لفترات أطول، ما أدى إلى اندماج مرحلتي النوم في فترة واحدة، وأصبح "النوم طوال الليل" هو المعيار السائد.

نمط قديم؟

وتشير علوم النوم الحديثة إلى أن الإنسان لم يكن بالضرورة مصمماً للنوم ثماني ساعات متواصلة دون انقطاع.

ويمر النوم خلال الليل في دورات تتراوح عادة بين 90 و110 دقائق، تنتقل خلالها أدمغتنا بين مراحل النوم الخفيف والعميق ومرحلة حركة العين السريعة (REM). ويخوض معظم الأشخاص بين أربع وست دورات خلال الليلة الواحدة.

وتتركز مراحل النوم العميق في النصف الأول من الليل، لذلك يصبح الإنسان في الساعات الأولى من الصباح أقرب إلى مراحل النوم الخفيف، وهي المراحل التي يكون الاستيقاظ منها أسهل.

والاستيقاظ القصير أثناء الليل أمر طبيعي، إذ يمر به معظم الناس عدة مرات دون أن يتذكروا ذلك. لكن المشكلة تبدأ عندما يستمر الاستيقاظ لفترة طويلة أو يتكرر في التوقيت نفسه كل ليلة.

هل الكورتيزول هو سبب استيقاظ الثالثة صباحا؟

لطالما ارتبط هرمون الكورتيزول، المسؤول جزئياً عن زيادة يقظة الدماغ، بالشعور المفاجئ بالصفاء الذهني الذي يضرب البعض عند الثالثة صباحاً، باعتبار ذلك جزءاً من الارتفاع الطبيعي للهرمون قبل الصباح.

لكن دراسة نُشرت عام 2025 قامت بقياس مستويات الكورتيزول الحر لدى أكثر من 200 شخص باستخدام تقنية دقيقة لمراقبة الهرمون في الوقت الفعلي، بدلاً من الاعتماد فقط على عينات اللعاب بعد الاستيقاظ.

ووجد الباحثون أن ارتفاع الكورتيزول لم يتغير لحظة الاستيقاظ فعلياً، بل استمر بالمعدل نفسه تقريباً سواء كان الشخص نائماً أو مستيقظاً.

بمعنى آخر، قد لا تكون استجابة الكورتيزول سبباً للاستيقاظ، بل قد يكون الأمر نتيجة طبيعية لإيقاع الجسم اليومي الذي يستمر بالعمل بغض النظر عن حالة النوم.

مع ذلك، يشير الباحثون إلى أن الاختلافات بين الأشخاص كبيرة، وأن الكثير من التفاصيل لا تزال قيد البحث.

المشكلة ليست الاستيقاظ.. بل ما يحدث بعده

قد لا يكون الاستيقاظ عند الثالثة صباحاً مشكلة بحد ذاته، لكن القلق المصاحب له يمكن أن يحوله إلى أزمة.

فالتفكير المتكرر في عدم القدرة على النوم يشكل نوعاً من الاجترار الذهني، ومع مرور الوقت قد يبدأ الدماغ بربط الساعة الثالثة صباحاً باليقظة والتوتر بدلاً من الراحة، وهو أحد المسارات التي قد تؤدي إلى الأرق المزمن.

كما أن مراقبة الساعة باستمرار، أو الشعور بالإحباط أثناء الاستلقاء، قد يعززان هذه الحلقة.