في غضون سنوات قليلة، انتقلت الصين من الاعتماد الواسع على مكبات النفايات الملوِّثة إلى بناء شبكة ضخمة من محارق النفايات الحديثة، في تحول عُدّ جزءا من سياساتها البيئية الجديدة.
غير أنّ هذا التحول السريع أفرز مفارقة غير متوقعة: طاقات حرق فائضة، ومنشآت عملاقة لا تعمل بكامل قدرتها، ما دفع السلطات المحلية إلى خيار غير مألوف يتمثل في نبش "نفايات قديمة" مدفونة منذ سنوات لتغذية هذه المحارق وضمان استمرارية تشغيلها، وفق ما أوردته صحيفة لوموند.

محارق حديثة.. ونقص في الوقود
تصف لوموند مشهد محرقة "أندينغ" العملاقة جنوب بكين، التي دخلت الخدمة نهاية عام 2023، بوصفها منشأة "نظيفة ولامعة" يمكن لسكان العاصمة زيارتها في جولات منظمة.
وتبلغ قدرتها الاستيعابية 5,100 طن من النفايات الصلبة يوميا، وتولد كهرباء تكفي لتزويد نحو 300 ألف منزل عند التشغيل الكامل، مع عرض فوري لانبعاثاتها على شاشات إلكترونية.
لكن خلف هذا العرض التقني، تواجه المحرقة مشكلة أساسية: كمية النفايات الحديثة المنتَجة في جنوب بكين لا تكفي لتشغيل أفرانها الستة بكامل طاقتها، ما يجعلها تعمل في وضع دون الحد الأقصى.

وتوضح الصحيفة أن هذه الحالة لا تقتصر على "أندينغ"، بل تعكس وضعا وطنيا أوسع، إذ بلغ عدد محارق النفايات في الصين 1,078 منشأة، متجاوزا أهداف الخطة الخمسية الرابعة عشرة،2021–2025.
ووفق البيانات الواردة، كانت نحو 40% من القدرة الوطنية للحرق غير مستغلة حتى يونيو 2024.
العودة إلى المكبّات القديمة
لمواجهة هذا النقص، لجأت بعض المدن إلى استخراج نفايات قديمة من مكبّات مهجورة.
في "أندينغ"، أُطلق في مارس مناقصات للحصول على ما بين 600 و800 طن يوميا من "نفايات قديمة" من مكبّات بعيدة، مقابل نحو 2.5 يورو للطن.

ويشير مهندسو الموقع، بحسب لوموند، إلى أن النفايات القريبة من سطح المكبّات وحدها تحتفظ بقيمة حرارية كافية، في حين تكون الطبقات الأعمق أقل فائدة وأكثر تعقيداً من حيث الاستخراج والفرز.
وتورد الصحيفة أن بعض هذه النفايات ستُستخرج من مكبّ "أندينغ" نفسه، الذي يبلغ ارتفاعه نحو 70 مترا وكان يستقبل نفايات جنوب بكين حتى وقت قريب.
وقد جرى إخلاء آلاف العائلات التي كانت تعيش قربه بعد احتجاجات سابقة، في خطوة سبقت بدء عمليات الحفر، التي لم تنطلق فعليا بعد.
تحرير الأراضي وإعادة تشكيل المدن
لا تقتصر دوافع استخراج النفايات القديمة على تشغيل المحارق، بل تشمل أيضا اعتبارات عمرانية واقتصادية.
توضّح لوموند أن التوسع الحضري جعل العديد من المكبّات السابقة تقع اليوم في قلب مناطق ذات قيمة عقارية مرتفعة.

