واكبنا خلال السنوات القليلة الماضية، أحداثًا مناخيّة لافتة وغير مسبوقة في مواقع متفرّقة عدّة بالعالم، وشهدنا ارتفاعات قياسيّة بدرجات الحرارة في أوقاتٍ غير موسميّة وهطولات مطريّة غزيرة وفيضانات هائلة، ممّا أعادنا إلى حقبات من الزمن ودفعنا إلى مقارنات تاريخيّة خلال حقب قديمة تسبّب فيها تغيّر المناخ في انهيار حضارات وتبدّل تقاليد وعادات إنسانيّة.
تحديات العصر
تغيّر المناخ من أبرز موضوعات عصرنا وأكثرهم تحدّيًا، ولاسيّما وأنّه ينعكس بشكلٍ مباشرٍ على مجتمعاتنا التي لاتزال تعاني من تبعات فيروس "كورونا"، حيث تشمل انعكاساته على المجتمعات، والاقتصادات، والأفراد بشكل واسع.
ووجدت دراسات علميّة وتقارير بحثيّة علاقة مباشرة أوغير مباشرة، بين انهيار حضارات قديمة والتغيّر المناخي، وذلك ضمن التفسيرات المعاصرة لعوامل انهيار تلك الحضارات، وهي التفسيرات التي يثار حولها نقاشات علميّة.
من بين الحضارات القديمة التي اعتبرتها الدراسات أنها تأثرت باعتبارات متعلّقة بتغيّر المناخ، حضارة "المايا" في شبه جزيرة يوكاتان في أمريكا اللاتينية في القرنين الـ 13 و14، نظرًا لدراسة نشرتها دوريّة "نيتشر كومينيكيشنز" في يوليو 2022، أجراها فريق بحثي دولي مشترك.
وفي السياق، منذ أكثر من 4 آلاف عام حكمت الإمبراطوريّة الأكديّة في مناطق واسعة في بلاد ما بين النهرين، إلّا أنّ الجفاف الذي استمرّ 300 عام بدّل جميع مشاريعها.
وعندما طال الجفاف الإمبراطوريّة الأكديّة، اضطر السكان إلى مغادرة المناطق المنكوبة والتوجّه نحو مناطق فيها غابات، لكنّ الهجرة الجماعيّة ضغطت على الموارد المتبقية، ممّا فاقم المشكلات.
ومستوطنو الفايكنغ في غرينلاند في أقصى شمال المحيط الأطلسي تأثروا بتغيّر المناخ، حيث عاش 5 آلاف مستوطن في الجزيرة لنحو 500 عام، إلّا أنّ حياتهم تبدّلت بسبب تغيّر المناخ، حيثُ تدنّت درجات الحرارة في الجزيرة، ممّا جعل تربية الماشية مسألة صعبة.
ورغم سعيهم في التكيف مع تلك التبدلات المناخيّة وتأقلم عاداتهم الغذائيّة والتركيز على البحر كمصدر للغذاء، فإنّ الحياة في غرينلاند باتت صعبة، ممّا دفعهم في نهاية المطاف إلى ترك الجزيرة.
وعلى اعتبار أنّ الحضارة لا يمكن أن تصمد في أماكن غير صالحة للعيش، ولاسيّما وأنّ النشاط البشري يتأثر بالتغيّر المناخي، فقد تكون الدورة الطبيعيّة لتبدّل المناخ جزءًا مستمرًّا لا مفرّ منه على الكرة الأرضيّة، لكن يبدو أن التاريخ يحاول إخبارنا أنه عندما استنزفت الحضارات السابقة الموارد الطبيعيّة، سرعان ما ازدادت آثار تغيّر المناخ تاركة عواقب لكلّ من وقف في طريقها.
بينما هناك حضارات في أماكن أخرى قادرة إلى حد كبير على التأقلم مع تأثيرات المناخ، ولكنّ ذلك يرتبط ببعض المراكز الحضريّة الكبيرة والحكومات الوطنيّة ومدى قدرتها على مجاراة ذلك، مثل أزمة المياه المستمرة وتأمين الغذاء والصحّة، بالإضافة إلى تعديلات أنظمتها في الطاقة والنقل، إذا أرادت التخفيف من حدة تغيّر المناخ.
تأثير المناخ على البشر
وفي تقرير عن تأثير التغيّرات المناخيّة على البشريّة حاليًّا، كشفت وكالات إخباريّة، إن نحو 166 مليون شخص في إفريقيا وأميركا الوسطى، احتاجوا إلى المساعدة بين عامي 2015 و2019 بسبب حالات الطوارئ الغذائيّة المرتبطة بتغيّر المناخ.
كذلك فإنّ هناك ما بين 8 و80 مليون شخص، أكثر عرضة لخطر المجاعة في عام 2050.
وتراجعت المحاصيل الزراعيّة بنسبة تتراوح بين 4 و10 في المئة على الصعيد العالمي خلال الثلاثين سنة الماضية.
وفيما يخص سوء التغذية، فهناك نحو 1.4 مليون طفل سيواجهون التقزم الشديد في إفريقيا بسبب المناخ في 2050.
الفئات الأكثر تأثرًا
جمع باحثون ضمن دراسة نُشرت في المجلة الطبيّة البريطانيّة المفتوحة BMJ OPEN يونيو2021، أدلّة عن فئات تأثيرات المناخ وهي: ظواهر الأرصاد الجويّة وظواهر الطقس المتطرّفة (موجات الحرارة، موجات الصقيع والعواصف)، وجودة الهواء (تلوث الهواء، دخان حرائق الغابات).
كما غطت المراجعة 10 فئات من التداعيات الصحيّة المحتملة، والتي كانت الثلاثة الأكثر شيوعًا منها هي: الأمراض الميكروبيّة المعديّة، ومعدلات الوفيات، وحالات الأمراض التنفسيّة أو القلبية.
تأثّر الصحّة العقليّة للإنسان
وفي الاستنتاجات رأى الباحثون أنّ غالبيّة المراجعات المنهجيّة للتأثيرات الصحيّة لتغيّر المناخ إلى وجود ارتباط بين تغيّر المناخ وتدهور الصحّة بطرق متعددة، وبنتائج سلبيّة على صحة الإنسان.
وفي الدراسة عينها، نبّه علماء النفس من الآثار غير المباشرة والآثار الطويلة المدى لتبدّل المناخ على الصحّة العقليّة، والتي كما أفاد الباحثون باتت أكثر انتشارًا بين الأطفال والبالغين على حد سواء. ومنها على سبيل المثال: القلق البيئي، والاكتئاب المناخي.
وشدّدت الدراسة على أهميّة استكشاف هذه الآثار لتغير المناخ على الصحّة العقليّة لأنّ القدرة البشريّة على التأقلم مع تغيرات المناخ والتخفيف من تأثيراتها السلبيّة، تعتمد في النهاية على قدرتنا العاطفيّة والنفسيّة على مواجهة هذا التهديد.
إذًا تغير المناخ قادر على التأثير في صحتنا وقدرتنا على السكن والسلامة والعمل، فإنّ البعض منا أكثر عرضة بالفعل لتأثيرات المناخ، ولاسيّما في البلدان النامية .
ويبقى الخوف من التطورات المناخيّة مثل ارتفاع مستوى سطح البحر وتسلل المياه المالحة إلى النقطة التي اضطرت فيها مجتمعات بأكملها إلى الانتقال، كما أن فترات الجفاف التي طال أمدها تعرّض الأفراد لخطر المجاعة وسط خشية من أن نضطر لترك أماكن عيشنا ونصبح "لاجئي المناخ"؟
