رغم استمرار نمو النشاط الصناعي في عدد من الاقتصادات الكبرى، بدأت تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران تظهر بصورة متزايدة داخل المصانع، مع ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام واضطراب سلاسل الإمداد، ما يضع الشركات أمام ضغوط مالية قد تنتقل تدريجياً إلى أسعار المنتجات التي يشتريها المستهلكون.

وأظهرت مسوحات اقتصادية نشرتها مؤسسة "ستاندرد آند بورز غلوبال"، الإثنين، أن النشاط الصناعي واصل التوسع خلال أكتوبر، لكن وتيرة النمو تباطأت في عدد من الاقتصادات الآسيوية، فيما ارتفعت تكاليف الإنتاج في أوروبا، بحسب تقرير لوكالة رويترز.

كيف تنتقل الحرب إلى المصانع؟

تؤثر الحرب في الشرق الأوسط على النشاط الصناعي من خلال ارتفاع أسعار الوقود والطاقة والغذاء، إلى جانب الاضطرابات التي تواجه سلاسل التوريد.

وتعتمد المصانع على الطاقة لتشغيل خطوط الإنتاج، وعلى النقل البحري والبري للحصول على المواد الخام وشحن المنتجات النهائية. ومع ارتفاع تكاليف الوقود والشحن، ترتفع النفقات التشغيلية، ما يضغط على هوامش أرباح الشركات.

وتجد الشركات نفسها أمام خيارين رئيسيين: تحمل التكاليف الإضافية على حساب أرباحها، أو تمرير جزء منها إلى المستهلكين عبر رفع الأسعار.

كما يؤدي استمرار ارتفاع الأسعار إلى إضعاف القدرة الشرائية للأسر، وهو ما قد ينعكس بدوره على الطلب على المنتجات الصناعية.

أوروبا.. نمو صناعي وضغوط تضخمية

في منطقة اليورو، تراجع مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى 52.7 نقطة في أكتوبر، مقارنة مع 52.9 نقطة في سبتمبر، لكنه بقي أعلى من مستوى 50 نقطة الذي يفصل بين النمو والانكماش.

ويشير ذلك إلى استمرار توسع النشاط الصناعي الأوروبي، رغم ارتفاع تكاليف الطاقة والرسوم الجمركية والتوترات الجيوسياسية.

وقال ليو بارينكو، من مؤسسة "أكسفورد إيكونوميكس"، إن بيانات أكتوبر أكدت قدرة القطاع الصناعي الأوروبي على الصمود، لكنه أشار إلى تسارع ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج والمنتجات النهائية.

وسجلت ألمانيا توسعاً صناعياً ملحوظاً، بينما عاد القطاع الصناعي الفرنسي إلى الانكماش.

وتزيد هذه التطورات الضغوط على البنك المركزي الأوروبي، في وقت يتوقع فيه اقتصاديون ارتفاع التضخم في منطقة اليورو إلى 4% خلال أكتوبر، واحتمال رفع أسعار الفائدة مجدداً في ديسمبر.

أما بريطانيا، فسجلت أقوى نمو في الإنتاج الصناعي منذ أكثر من عامين، لكن ارتفاع التكاليف قد يدفع بنك إنجلترا إلى تشديد السياسة النقدية.

آسيا.. الطلب على الرقائق لا يكفي

في آسيا، أظهرت المسوحات تباطؤ النمو الصناعي في الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، رغم استمرار الطلب العالمي القوي على أشباه الموصلات والمنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وسجل مؤشر مديري المشتريات الصناعي في الصين 52 نقطة خلال أكتوبر، مقارنة مع 52.1 نقطة في سبتمبر.

وفي اليابان، تباطأ التوسع الصناعي إلى أدنى وتيرة خلال 7 أشهر، مع ضعف الإنتاج والطلبات الجديدة، بينما سجلت كوريا الجنوبية أبطأ نمو صناعي خلال 8 أشهر.

كما واصل النشاط الصناعي في تايوان التوسع بوتيرة أبطأ، فيما تباطأ النمو الصناعي في الهند نتيجة ضعف الطلب المحلي والتوظيف، رغم ارتفاع طلبات التصدير.

وقال تورو نيشيهاما، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في معهد "داي إيتشي لايف" للأبحاث بطوكيو، إن قوة الطلب على الرقائق ومنتجات الذكاء الاصطناعي أخفت نقاط ضعف في الاقتصادات الآسيوية والعالمية، لكن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الوقود والغذاء جعلا ذلك أكثر صعوبة.

ماذا يعني ذلك للمستهلكين؟

قد لا تظهر زيادة تكاليف الإنتاج فوراً على أسعار السلع، إذ تستطيع بعض الشركات امتصاص جزء من الارتفاع أو الاعتماد على مخزوناتها وعقود التوريد السابقة.

لكن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والمواد الخام قد يدفع الشركات إلى تعديل أسعار منتجاتها، خصوصاً في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة أو المعتمدة على سلاسل توريد دولية.

وفي المقابل، قد يؤدي ضعف الاستهلاك إلى الحد من قدرة الشركات على رفع الأسعار، ما يزيد الضغط على أرباحها واستثماراتها.

وكان صندوق النقد الدولي قد توقع تباطؤ النمو الاقتصادي في آسيا خلال العام المقبل، محذراً من المخاطر الناجمة عن صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب مع إيران، إلى جانب احتمال حدوث تصحيح في طفرة الاستثمار بالذكاء الاصطناعي.

وبين استمرار الطلب على التكنولوجيا وارتفاع تكاليف الإنتاج، تواجه المصانع العالمية تحدياً يتمثل في الحفاظ على النمو دون تحميل المستهلكين مزيداً من الأعباء.