المشاهد التي تتكشف الآن في جميع أنحاء إيران تذكر بأحلك أيام الحرب مع العراق في ثمانينات القرن الماضي، شراء الطعام بالتقسيط، وبيع البقالة بالدين، وتمديد الوجبات بحذف اللحم، وعد البيض، وشراء ما يمكن تحمله يوماً بيوم.
في مقال للخبير الإيراني هادي كحلزاده، في مؤسسة بورس آند بازار المتخصصة في شؤون التنمية الاقتصادية، يرى أن هذه الظواهر ليست مجرد مؤشرات عادية للتضخم، بل هي مؤشرات اجتماعية لبلد ينتقل من أزمة غلاء المعيشة إلى أزمة فقر مدقع، تحت حكم متشدد.
فقد أدّت الحرب إلى تعطيل 25% من قدرة إنتاج الصلب، و20% من إنتاج الغاز، و30% من إنتاج المكثفات الغازية، مما أثار اضطرابا في توريد المدخلات إلى مرافق البتروكيماويات والمصافي ومحطات توليد الطاقة، وفق المقال.
وقبل أسبوعين، وفي خضم مفاوضات هشة مع الولايات المتحدة وتصاعد التوترات الداخلية، فرض المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سقفا وطنيا بنسبة 25% على زيادات الإيجارات، ما يؤشر إلى أن أزمة غلاء المعيشة قد تجاوزت حدود الأمن القومي لإيران.
الحرب وتمزق اجتماعي
وفق المحلل، فإن سبب مشكلة الفقر في إيران تسبق حرب 2026. فقد دفعت سنوات من العقوبات والتضخم وضعف النمو الاقتصادي وتقلص الطبقة الوسطى الأسر إلى حافة الفقر.
إلا أنه يضيف أن الحرب الأخيرة حوّلت الضغوط الاقتصادية إلى تمزق اجتماعي، مما زاد من حدة الفقر وجعله أكثر وضوحا في أبسط جوانب الحياة اليومية، الإيجار، والغذاء، والعمل، والبقاء على قيد الحياة.
وكانت بورس آند بازار أشارت في تقديرات مؤخرا إلى الأضرار في سوق العمل الإيراني، حيث عرّضت الحرب 50% من الوظائف (من 10 إلى 12 مليون وظيفة) للخطر.
كما زاد ارتفاع الدولار من 160 ألف تومان إلى 190 ألف تومان من توقعات التضخم، إذ بلغ التضخم الشهري في مايو 2026 أي بنسبة 8.8%، وفق المقال. ويفيد المقال أنه إذا استمر هذا الاتجاه، فإن التضخم السنوي الذي يتجاوز 100% يُعدّ نتيجة محتملة، وليس سيناريو متطرفا.
هل ينتفض الشارع الإيراني؟
وكانت موجة احتجاجات واسعة من الوضع الاقتصادي، تحولت لاحقا إلى مطالب أكثر وضوحا بإنهاء حكم رجال الدين، شلت إيران في يناير قبل الحرب بقليل، ما أدى إلى مقتل آلاف المتظاهرين.
غير أنه حاليا وبعد أن ووري مرشد إيران، علي خامنئي، الثرى، ترى صحيفة الإيكونوميست أن سلطة الحرس الثوري المهيمنة حاليا ربما قد يحد منها قوتان.
تفيد الصحيفة بأن القوة العسكرية هي الخيار الأول. فالتصعيد العسكري في الأيام القليلة السابقة يؤكد أن الحرب والمفاوضات لم تُفضِ إلى نتيجة، وسط دعم دولي لنهج أميركي أكثر صرامة.
أما القوة الثانية فهي عامل الاقتصاد. وترى الصحيفة أنه بعد انحسار حشود المشيعين لخامنئي، ستظل إيران تُعاني من اقتصاد هش ومعزول، وإن كانت شبكات التهريب التي تُخالف العقوبات تساعد في دعم الحرس الثوري الحاكم فعليا، لكنها لن تُساعد عامة الشعب، حيث يعيش 40% وربما أكثر من الإيرانيين تحت خط الفقر.
وتشير الصحيفة إلى أن معظم الإيرانيين يتوقون إلى الانتعاش الاقتصادي ورفع العقوبات بدلًا من إعادة فرض الحصار البحري الأميركي والمزيد من الحروب.





