"ديون صينية" دمرت طموح ومستقبل محمد طاهر الذي عمل لفترة طويلة في مصنع للنسيج بمدينة ملتان الباكستانية وتزوج وأنجب ثلاثة أطفال. وذلك بعد أن فقد وظيفته قبل ٦ أشهر بسبب عدم قدرة المصنع على استيراد المواد الخام إثر نزيف احتياطيات النقد الأجنبي الباكستاني الحاد.

تبخرت آمال محمد جراء فقره ووضع بلاده، كل ذلك دفعه للتفكير في الموت "لأنه لم يعد يستطع تحمل رؤية أسرته تنام الليلة تلو الأخرى من دون عشاء"، حسب ما نقلت وكالة أسوشيتد برس.

"خففوا من شرب الشاي"

محمد، المواطن الباكستاني، ليس بعيدا عن كثر من مواطني بعض الدول العربية، إذ أن دول في المنطقة على مشارف الوقوع في "الفخ الصيني"، وأبرزها مصر، حسب ما ورد في تقارير.

إعلان الصين استعدادها ضخ ٢٠ مليار دولار كجزء من استراتيجية الحزام والطريق، ربما يبدو مدخلا استثماريا جديدا يبعد هذه الدول عن مؤسسات التمويل الدولية، إلا أن ثمة تقارير تحذر من كونه فخا، حسب رويترز.

سوء الإدارة الحكومية والفساد لعبا دورا في إثقال دول مثل باكستان وسريلانكا وزامبيا، وفي الوقت نفسه فاقمت الحرب في أوكرانيا من أزمة الدول النامية المستدينة بعدما أدت الحرب لارتفاع أسعار الحبوب والنفط والطاقة.

محمد طاهر، واحد من مواطني باكستان الذين طلبت منهم السلطات في يونيو الماضي، التخفيف من شرب الشاي المستورد لتوفير العملة الصعبة.

مواطنو باكستان يلحق به نظرائهم من إثيوبيا، خلال شهرين، عندما تفرغ خزائن الدولتين من أي نقد احتياطي أجنبي ليدفعا للطعام والوقود والمواد الضرورية، بينما يتوجب عليهما، ودول أخرى، الاستمرار في دفع الفوائد الباهظة على قروض الصين، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي من دون أن يقدم أي طرف تنازلات عن مستحقاته.

بطالة وغسيل سيارات

بحسب أسوشيتد برس، الولايات المتحدة الأميركية ليست المقرض الحكومي الأكبر في العالم، ولا الأكثر قسوة، وإنما الصين، التي لديها رواية مناقضة لهذه التقارير.

في زامبيا، تسببت البطالة بانتقال زكريا كالوبيتيكا، إلى غسيل السيارات، فمع استمرار ارتفاع مستويات البطالة، اغتنم بعض الشباب في زامبيا الفرصة التي أتاحها تدفق السيارات إلى البلاد.

بالنسبة لهؤلاء الشباب، تعتبر أعمال غسيل السيارات سهلة لأنها تتطلب الحد الأدنى من رأس المال الاستثماري، فكل ما يحتاجه الشخص هو دلو وقطعة قماش للتنظيف وعلبة منظف.

زامبيا واحدة من تلك الدول المهددة، إذ أن التخلف عن سداد القروض دفع بمعدلات البطالة في هذا البلد الأفريقي الفقر إلى ما فوق الـ٥٠٪ في العام 2020، بينما خسرت العملة المحلية 30% من قيمتها خلال سبعة أشهر وارتفع العاجزين عن الحصول على الطعام الكافي لثلاثة أضعاف بواقع 3.5 ملايين شخص بحسب برنامج الغذاء العالمي.

يكسب غالبية الشباب من زامبيا ما يعادل 4 دولارات أميركية كل يوم من غسيل السيارات المتوقفة بأماكن العمل المزدحمة والمناطق التجارية.

حسب زكريا كالوبيتيكا "المهم هو العثور على مكان عادة ما يكون به الكثير من السيارات لأن ذلك يزيد من فرص الحصول على المزيد من العملاء". يقول كالوبيتيكا إن الافتقار إلى فرص العمل الرسمية أجبره هو وآخرين على المغامرة بتنظيف السيارات حيث يمكنهم كسب بعض الدخل.

مَن أفلس بالفعل؟

وصلت معدلات التضخم في سريلانكا قبل إعلان إفلاسها العام الماضي، إلى نحو 50%، واختفت نحو نصف مليون وظيفة صناعية في البلاد، وهبط أكثر من نصف السكان إلى ما دون خط الفقر، ما أدى لموجة احتجاجات عارمة أحرق فيها المتظاهرون منازل وزراء الحكومة واقتحموا قصر الرئاسة ما دفع رئيس البلاد للفرار للخارج.

باقي الدول التي لم تفلس بعد، فالوضع لا يقل مرارة ويوشك أن يصبح أسوأ. ففي باكستان، تم تسريح الملايين من عمال النسيج لأن ديون البلاد الخارجية الكبيرة جعلتها غير قادرة على تحمل تكاليف تشغيل الكهرباء وتشغيل الآلات والمصانع. بينما في كينيا، أوقفت الحكومة دفع رواتب الآلاف من موظفي الخدمة المدنية لتوفير النقود لسداد القروض الأجنبية. وقد غرد كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس في أبريل الماضي قائلا "الرواتب أم الإفلاس؟ الخيار لكم".

.. لكن الصين تتهم الغرب

الكل يرمي الاتهامات على الكل، حول اقتراب باكستان من شفا الإفلاس والانهيار. فمن جهة، يتهم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الصين بالعناد والتصلب ورفض تحمل أي خسائر كبيرة على مئات المليارات من الدولارات من الديون المستحقة لها.

أما الصين، فتلقي باللوم على بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي الذي رفع أسعار الفائدة ١٠ مرات خلال العام الماضي للتصدي للتضخم ما أدى لجعل القروض بأسعار فائدة متغيرة لتلك البلدان أكثر تكلفة على نحو مفاجئ.

ترفض بكين فكرة أنها "مُقرض لا يرحم"، إذ تقول الصينية إنها مستعدة للموافقة على مطالب "وكلاء الولايات المتحدة"، كما وصفتهم، صندوق النقد الدولي والبنك الدولار بالتنازل عن جزء من قروضها بشرط أن يقوما أيضا بنفس الشيء.