لم تبدأ قمة بكين بين الرئيس الصيني، شي جين بينغ، والرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من تايوان، ولا من الشرق الأوسط، ولا حتى من الحرب التجارية. بدأت من أثينا وإسبرطة.

ففي لحظة كان يُنتظر فيها أن ينخرط الرئيسان في ملفات العالم المشتعلة، اختار شي أن يستدعي حربًا عمرها أكثر من ألفي عام، ليطرح السؤال الأخطر في العلاقة بين الصين والولايات المتحدة، هل يسير الصعود الصيني والقلق الأميركي نحو مواجهة لا يريدها الطرفان؟

استحضار شي للحرب التي وثّقها المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس لم يكن تفصيلًا ثقافيًا عابرًا، بل رسالة سياسية مباشرة. فـ"فخ ثوسيديدس"، كما يُعرف في الفكر السياسي الحديث، يحذّر من لحظة تصبح فيها القوة الصاعدة تهديدًا للقوة المهيمنة، فتتحول المنافسة إلى صدام.

وبين واشنطن وبكين، بدا السؤال في قلب القمة، هل يمكن إدارة التنافس بين القوتين الأعظم، أم أن التاريخ القديم يطرق باب القرن الـ21؟

Image 1
  • ماذا حصل؟
  • شي طرح سؤالاً مباشراً أمام ترامب مفاده ما إذا كان البلدان قادرين على تجاوز هذا الفخ التاريخي وصوغ نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى، في إشارة واضحة إلى أن التنافس بين الصين والولايات المتحدة بلغ مرحلة دقيقة تتطلب تفكيراً مختلفاً.
  • الكاتبة في الغارديان كيت لامب أوضحت أن فخ ثوسيديدس يقوم على فكرة بسيطة مفادها أن صعود قوة جديدة يثير مخاوف القوة القائمة، وهو ما يجعل الصدام بينهما أمرًا واردًا.
  • وقد كتب ثوسيديدس أن صعود أثينا وما أثاره من خوف في اسبرطة جعلا الحرب أمراً لا مفر منه. ويستحضر كثير من المحللين هذا المثال عند الحديث عن صعود الصين وتراجع النفوذ الأميركي النسبي.

نزع فتيل التفجير من قنبلة تايوان

استدعاء شي لمفهوم ثوسيديدس لم يكن مجرد إشارة تاريخية، إنما جاء في سياق سياسي حساس يرتبط مباشرة بملف تايوان.

فبعد ساعات من حديثه عن فخ ثوسيديدس، حذّر شي من أن أي خطأ في التعامل مع قضية تايوان قد يدفع البلدين إلى مواجهة خطيرة. وأكد أن هذه القضية هي الأهم في العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، وأن سوء إدارتها قد يضع العالم أمام وضع شديد الخطورة.

دعوة إلى التكامل بدلا من التنافس

ورغم هذا التحذير الصريح، عاد الرئيس الصيني في مأدبة رسمية مساء اليوم نفسه إلى خطاب أكثر هدوءًا، فأكد أن التنافس بين البلدين لا يعني حتمية الصدام، وأن النهضة الصينية يمكن أن تتكامل مع طموحات الولايات المتحدة، بما يخدم استقرار العالم وازدهاره.

ترامب يرد عبر منصات التواصل

ترامب، اختار الرد على نظيره الصيني، عبر منصات التواصل، حيث قال إن شي أشار بطريقة مهذبة إلى احتمال تراجع مكانة الولايات المتحدة، لكنه أكد أن هذا لا ينطبق على فترة رئاسته.

وأضاف أن بلاده استعادت قوتها خلال العامين الفائتين، وأنه يأمل في أن تكون العلاقة مع الصين أقوى من أي وقت.

استحضار شي لفخ ثوسيديدس في هذا التوقيت يعكس إدراكًا عميقًا بأن العلاقة بين البلدين تقف عند مفترق طرق. فالتوترات بين البلدين المتعلقة بتايوان، والحرب في إيران، والتنافس التكنولوجي والرسوم الجمركية على بعض البضائع الصينية، كلها عوامل تجعل العلاقة بين القوتين أكثر حساسية من أي وقت سابق. مع ذلك، يبدو أن شي أراد أن يبعث برسالة مزدوجة، تحذير من أخطار الصدام، ودعوة إلى تجنب تكرار أخطاء التاريخ، فهل تلقف ترامب الرسالة؟