عاد الحديث بقوة، خلال الأسابيع الأخيرة، عن فضيحة البركة العاكسة قرب البيت الأبيض، تلك البركة التي أرادها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، رمزًا وطنيًا يعكس اللون الأزرق في العلم الأميركي، فإذا بها تتحوّل إلى قضية تلزيم مشبوه، وسوء تنفيذ، وتضليل إعلامي، بعدما تجاوزت كلفتها ١٣ مليون دولار بدلًا من مليوني دولار كما كان مقررًا.
لماذا اللون الأزرق؟
بدأت فكرة المشروع حين أراد الرئيس الأميركي أن تكون البركة جزءًا من التحضيرات لاحتفالات مرور ٢٥٠ عامًا على استقلال الولايات المتحدة وسائل إعلام أميركية ذكرت أن الرئيس اشتكى مرارًا من أن البركة "داكنة وغير جذابة"، فطلب إعادة طلائها بلون أزرق يعكس رمزية العلم الأميركي.
خبراء البيئة، الذين أبدوا آراءهم لاحقًا، أكدوا أن طلي قاع البركة بلون أزرق لا يغيّر من طبيعة المياه، ولا يعالج مشكلة الطحالب التي تعاني منها البركة منذ عقود، لأنّ مصدر المياه هو حوض المدّ والجزر الذي يحمل معه رواسب عضوية تؤدي إلى تكاثر الطحالب في شكل طبيعي.

التلزيم بالتراضي.. شركة صغيرة بلا خبرة
المفاجأة الكبرى كانت في طريقة التلزيم. فقد مُنح العقد لشركة "أتلانتيك إندستريال كوتينغز"، وهي شركة صغيرة متخصصة في طلاء الأنابيب والخزانات الصناعية، وليست لديها أي خبرة في ترميم المعالم التاريخية أو البرك العامة، وهو يحتاج إلى شركات متخصصة.
العقد حصل بالتراضي، من دون دفتر شروط، ودون مناقصة، وهو ما أثار اعتراض خبراء قانونيين. الخبير القانوني مايكل هاربر شدّد في حديث مع شبكة أن بي سي نيوز على أن العقد بالتراضي لا يُستخدم إلا في حالات الطوارئ وليس في مشاريع لها طابع تجميلي. وطالب بتحقيق مستقل لكشف العلاقة التجارية بين الشركة وبعض داعمي ترامب.
المحامي ريتشارد بينيت، المتخصص في قضايا العقود الفيدرالية، أوضح في مقابلة مع واشنطن بوست "أن منح العقد بالتراضي لشركة صغيرة غير متخصصة يخالف مبدأ المنافسة العادلة في العقود الحكومية، ويُعدّ تجاوزًا للإجراءات التي تفرضها قوانين المشتريات الفيدرالية". وأضاف "أنّ غياب دفتر الشروط "يفتح الباب أمام شبهات سياسية، خصوصًا عندما تكون الشركة على صلة بجهات سياسية نافذة".
سوء تنفيذ.. لا تخريب
بعد أيام من انتهاء العمل، بدأ الطلاء الأزرق يتقشّر، وظهرت طحالب خضراء على سطح المياه، ما أثار موجة سخرية على مواقع التواصل. خبراء في هندسة المياه أكّدوا أنّ المادة المستخدمة في الطلاء "غير مناسبة للبيئات المائية"، وإنّها "تتفاعل مع الأملاح والطحالب فتتقشّر سريعًا". وأكد أحد المهندسين في هيئة الحدائق الوطنية أنّ "المشكلة تقنية بحتة، ولا علاقة لها بأي تخريب. خبير قانوني في هيئة الحدائق الوطنية لفت في حديث مع وكالة أسوشيتد برس إلى أن سبب تقشير الطلاء مردّه إلى "سوء التصاق المادة المستخدمة في الطلاء والمشكلة تكمن في اختيار شركة غير مؤهلة للعمل المطلوب".

توقيف راكب الدراجة.. ثم تبرئته
في خضم الفوضى، أوقفت الشرطة راكب دراجة بعدما لاحظ تقشّر الطلاء ولمس قطعة منه. وُجهت إليه تهمة "تخريب ممتلكات فيدرالية"، واحتُجز لمدة ٥ ساعات قبل أن يتبيّن أن الطلاء كان يتساقط من تلقاء نفسه
القانون ينتصر على الرواية السياسية
المدعية العامة "جانين بيرو" المحسوبة على ترامب، رفضت تبنّي رواية التخريب، وأكّدت أنّ "الأدلة تشير إلى سوء تنفيذ وليس إلى عمل متعمّد". هذا الموقف أثار غضب ترامب الذي اتهمها بأنها "لم تفهم القضية وفكّر في استبدالها، كما تمّ تسريب الخبر في الإعلام، قبل أن تزوره وتوضح موقفها.
خبراء قانونيون دعموا موقف بيرو، وقال أحدهم في تصريح صحافي إن "التلزيم بالتراضي لشركة غير مؤهلة هو السبب الحقيقي للمشكلة، وليس التخريب"، مضيفًا أنّ "القضية تستحق تحقيقًا في آلية منح العقد وليس في الطلاء المتقشّر".
الأستاذ في القانون الإداري جوناثان ميلر صرّح لموقع بوليتيكو أن محاولة تصوير المشكلة على أنها تخريب هي محاولة للهروب من المسؤولية القانونية عن سوء التنفيذ.
هكذا أصبحت البركة العاكسة، مرآة تعكس خللًا إداريًا وقانونيًا، أكثر مما تعكس اللون الأزرق في العلم الأميركي.





