كشفت دراسة استقصائية شاملة عن تحول بنيوي غير مسبوق في طبيعة العمليات العسكرية التي تقودها الفصائل المدعومة من طهران في العراق، مشيرة إلى تكامل عسكري غير مسبوق بين الحرس الثوري الإيراني ومئات المتعاونين العراقيين الموزعين على 36 وحدة رئيسية داخل الحشد الشعبي الممول من الدولة العراقية.
هذا التحول برز بشكل واضح خلال حملة عسكرية اعتبرت الأعنف منذ انسحاب القوات الأميركية عام 2011.
الدراسة تتبعت 5 مراحل رئيسية لنشاط الفصائل العراقية خلال الحرب التي اندلعت في أوائل عام 2026 بين إيران والتحالف الأميركي الإسرائيلي عقب اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وفق مركز مكافحة الإرهاب (Combating Terrorism Center) بنيويورك.
من الصدمة إلى الاستنزاف
- المرحلة صفر (الإعداد والتمهيد): بدأت في يناير وفبراير 2026 بتوزيع منظومات الصواريخ والطائرات المسيرة (مثل شاهد-101 وشاهد-107) على مواقع جديدة في نينوى والأنبار. كما تم تدفق أسلحة متطورة من إيران وتجميعها محليا.
- المرحلة الأولى (الهجمات المكثفة): امتدت من 28 فبراير إلى 5 مارس 2026، وشهدت قفزة هائلة في معدل العمليات، حيث قفز متوسط تبني الهجمات إلى 28.2 ضربة يومياً مقارنة بـ 1.57 ضربة يومياً في حملات سابقة. وتبنت مظلة ما يسمى "المقاومة في العراق" 89 % من هذه الهجمات.
- المرحلة الثانية (العمليات النوعية): امتدت من 6 إلى 17 مارس 2026، وركزت الفصائل على تحقيق تأثير نوعي عبر استهداف قطاع الطاقة والمواقع النفطية المرتبطة بالاستثمار الأميركي، بالإضافة إلى شن حملة مركزة في بغداد وضد دول المنطقة.
- المرحلة الثالثة (إعادة التموضع والتموين): من 18 إلى 27 مارس 2026، حيث انخفضت العمليات بشكل حاد إثر ضربات أميركية موجعة استهدفت قيادات مثل المسؤول الأمني لكتائب حزب الله أبو علي العسكري، والمسؤول الإيراني البارز "حاجي حميد".
- المرحلة الرابعة (مواصلة القتال): من 28 مارس حتى إعلان الهدنة في 8 أبريل 2026، وشهدت وصول دفعة تموين ثالثة من إيران ضمت طائرات مسيرة نفاثة متطورة من طراز "حديد-110" وصواريخ كروز.
ماذا عن جغرافيا الصراع؟
بحسب المؤسسة البحثية الأميركية CTC، فإن الفصائل العراقية أدرات عملياتها عبر توزيع دقيق للأدوار والمواقع الجغرافية على الشكل التالي:
- الجبهة الشمالية (كردستان): كان إقليم كردستان "كيس الملاكمة" المفضل، حيث استُهدفت أربيل ومطارها والشركات النفطية عبر عناصر من اللواءين 30 و50 في جبهة نينوى وبتنسيق عالي مع كتائب سيد الشهداء وكتائب الإمام علي.
- الجبهة الشرقية (ديالى وصلاح الدين): قادت منظمة بدر بزعامة هادي العامري عمليات الطائرات المسيرة انطلاقاً من معسكر أشرف في ديالى ومناطق طوزخورماتو، ونفذت وحدها ما لا يقل عن 20 هجوماً بمسيرات.
- الجبهة الغربية (الأنبار والأردن): شكلت محافظة الأنبار منصة الإطلاق الرئيسية ضد القواعد العسكرية في الأردن (مثل قاعدة موفق السلطي) عبر واجهة جديدة تدعى "رجال البأس الشديد" التي تبنت 12 هجوماً من أصل 22 استهدفت الأردن.
- جبهة بغداد: شهدت بغداد هجمات مكثفة بالمسيرات الانقضاضية الموجهة بالألياف الضوئية وصواريخ "الفلق" الثقيلة ضد الملحق الدبلوماسي العسكري في مطار بغداد (BDSC). وتوسعت الضربات في المرحلة الرابعة لتطال منشآت حيوية ونفطية في المنطقة.
أرقام وحقائق مرعبة
يفجر التقرير مفاجأة قانونية وسيادية كبرى تمثلت في توغل عابر للحدود لقوات الحشد الشعبي دون موافقة القائد العام للقوات المسلحة العراقية.
- فقد دخل ما بين 18 ألف و26 ألف عنصر من الحشد الشعبي إلى الأراضي الإيرانية في الفترة ما بين 28 مارس و3 أبريل 2026، مستخدمين آليات تابعة لهيئة الحشد وآليات شركة المهندس العامة، في انتهاك صارخ للدستور العراقي.
- اعتمدت العمليات بشكل رئيسي على ترسانة إيرانية متطورة مثل مسيرات شاهد 101/107 بنسبة 75%، ودخلت للمرة الأولى مسيرات "حديد-110" النفاثة السريعة وصواريخ كروز "العرقاب".
- دراسة CTC أثبتت تورط 36 وحدة عسكرية من الحشد الشعبي، أي ما يعادل نصف تشكيلاته الرسمية الممولة من الحكومة العراقية، في تقديم دعم مادي مباشر لمنظمات مصنفة كإرهابية دولياً مثل الحرس الثوري الإيراني، وعصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله.
تخلص الدراسة الاستقصائية إلى أن هذه الحرب كشفت عن سيطرة كاملة لإيران على مفاصل الأمن العراقي، حيث تحول الحشد الشعبي إلى جيش موازٍ يخوض حروباً إقليمية بالوكالة بأموال وسلاح الدولة العراقية، مما يعقد أي جهود مستقبلية للإصلاح الأمني أو نزع السلاح.





