تشهد إيران صراعا على السلطة بين القادة المدنيين الذين يسعون إلى استعادة مليارات الدولارات من الأموال المجمدة، والمسؤولين العسكريين المتشددين الذي يضغطون للسيطرة على مضيق هرمز، ما يشكل تهديدا لمحادثات السلام بين واشنطن وطهران.

تقرير لوول ستريت جورنال كشف نقلا عن مسؤولين مطلعين أن القادة المدنيين، وعلى رأسهم الرئيس مسعود بيزشكيان، يسعى إلى الإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال المجمدة لتخفيف معاناة ملايين الإيرانيين الذين يُكافحون التداعيات الاقتصادية للحرب والأضرار الجسيمة التي لحقت بصناعة النفط.

في المقابل، يهدف الحرس الثوري إلى الحفاظ على سيطرته الكاملة على المضيق الحيوي مهما كلف الأمر، ساعيا إلى فرض نظام رسوم مربحة لإثراء القوات المسلحة الإيرانية وهيمنة الثقل الأمني في المنطقة بأسرها.

كلمة واحدة من خامنئي أشعلت الصراع؟

وبحسب صحيفة التلغراف أثارت عبارة قصيرة قالها المرشد الإيراني مجتبى خامنئي جدلاً كبيراً داخل أروقة السلطة في إيران، بعدما استخدم تعبير "من حيث المبدأ" أثناء حديثه عن اتفاق مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

قال خامنئي إنه كان لديه رأي مختلف من حيث المبدأ، لكنه سمح بالمضي في الاتفاق بعد تعهدات الحكومة بالحفاظ على مصالح إيران. هذه الجملة وحدها فتحت باباً واسعاً للتفسيرات وأظهرت وجود خلافات عميقة داخل النظام.

الانقسام وصل إلى المؤسسة العسكرية أيضاً، مع استمرار بعض قادة الحرس الثوري في التشديد على القوة العسكرية ورفض الاعتماد على التفاهمات مع الولايات المتحدة.

في المقابل، يدافع مؤيدو الاتفاق عن أن الهدف هو تحسين وضع إيران الاقتصادي ورفع بعض القيود، مؤكدين أن المفاوضات لا تعني التخلي عن سياسات البلاد الأساسية.

ووفق تقرير "وول ستريت" فقد أظهر الحرس الثوري استعداده للمخاطرة بالإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة، عندما استهدف السفن الخارجة من مياه الخليج عبر قناة تمر عبر المياه العمانية بدلا من المياه الإيرانية، مؤخرا.

وتشير الصحيفة إلى أن مسؤولين أميركيين يرون أن أي إفراج عن الأموال سيتوقف على سلوك إيران، والذي يتضمن إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً.

ويُعدّ المرور الحر عبر هذه المياه الحيوية العنصر الأهم في اتفاق السلام الأولي المُوقّع في وقت سابق من شهر يونيو.

تهديد بوقف التفاوض

وأفادت الصحيفة الأميركية نقلا عن مسؤولين مطلعين على المحادثات قولهم إن الحرس الثوري أبلغ الوسطاء أنه سيغلق المضيق مجدداً، إذا لم يحصل على ضمانات بأن إيران تسيطر سيطرة كاملة على مضيق هرمز خلال محادثات الدوحة.

كما يطالب الحرس الثوري الولايات المتحدة ودولا أخرى بالتخلي عن خططها لتسيير سفن عبر الأجزاء الجنوبية من المضيق، قرب عُمان.

مصطفى بازكاد، رئيس مجلس إدارة شركة بازكاد وشركاه، التي تقدم استشارات للشركات بشأن السياسة الإيرانية، قال: "بالنسبة للجيش، يُعدّ مضيق هرمز الوسيلة الأكثر فعالية للبقاء في موقع القيادة في المحادثات. فهم يشعرون أنه طالما استطاعوا السيطرة على المضيق، فسيكون لهم الكلمة الفصل في المفاوضات مع الولايات المتحدة وفي الشؤون الداخلية".

ماذا عن المفاوضات؟

ويعقد المبعوثون الأميركيون والإيرانيون محادثات فنية غير مباشرة الأربعاء في الدوحة في إطار تنفيذ بنود مذكرة التفاهم مع إيران لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط،، على ما أفاد دبلوماسي مطّلع على سير المفاوضات وكالة فرانس برس.

وأضاف أن الموفدين الأميركيين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف لن يشاركا في المحادثات الفنية.

وعاد كوشنر وويتكوف إلى الدوحة الثلاثاء، للمشاركة في المحادثات بعد أن اتفقت الولايات المتحدة وإيران على وقف الهجمات المتبادلة التي تم استئنافها مؤخرا.

ومع ذلك، فإن حالة من عدم اليقين تكتنف محادثاتهما، وفق أسوشيتد برس.

وقال مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الأميركية، آثر التحفظ على اسمه، إن التقدم مستمر في المحادثات التقنية المنفصلة، ​​والتي يجريها ممثلون من مستوى أدنى.

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، صرح الإثنين، أن فريقا إيرانيا سينضم إليهما لاحقا لإجراء محادثات غير مباشرة لبحث سبل الوصول إلى الأصول الإيرانية المجمدة.

وقال بقائي: "بناءً على الخطط الموضوعة، سيتم الإفراج عن 6 مليارات دولار من إجمالي 12 مليار دولار من الموارد الإيرانية في قطر وإعادتها إلى البلاد، ويجري حالياً متابعة الأمر".

ويحتاج الاقتصاد الإيراني بشدة إلى ضخ جديد للعملات الأجنبية في ظل التضخم الجامح الناجم عن سنوات من العقوبات، ومؤخراً، عن حملة القصف والحصار الأميركي الذي استمر 39 يوما، وفق الصحيفة.

ويرى محللون أن الرئيس بيزشكيان، الذي انتُخب قبل عامين متعهداً بإنعاش الاقتصاد وتشجيع الانفتاح على الغرب، يواجه تقويضاً من قِبل الحرس الثوري.

الحرس الثوري وآلية فرض رسوم

في المقابل، ينظر الحرس الثوري، الذي يُسيطر على القوات البحرية التي تُسيّر دوريات في المياه الإيرانية، إلى مضيق هرمز كأصل قيّم. ويهدف إلى إنشاء آلية لفرض رسوم على المرور الحر عبر المضيق، ظاهرياً لتغطية تكاليف الأمن والبيئة.

مسؤولون إيرانيون صرحوا في أحاديث خاصة بأن هذه المدفوعات قد تُدرّ 40 مليار دولار سنوياً، وفق وول ستريت جورنال.

بموازاة ذلك، أيد بعض أبرز رجال الدين الإيرانيين أساليب الحرس الثوري المتشددة. فقد أبلغ مجلس الخبراء الإيراني، وهو هيئة استشارية تعكس عادة وجهة نظر المرشد الأعلى، المفاوضين يوم السبت بضرورة إبقاء مضيق هرمز مغلقا ما لم توقف إسرائيل هجماتها على لبنان، وفق الصحيفة.

وأشارت إلى أن هذا الموقف المتشدد دفع الرئيس بيزشكيان إلى استمالة كبار رجال الدين في قم، المركز الرئيسي للدراسات الدينية في البلاد. وهناك، روّج لفوائد تأمين الإفراج عن مبلغ الستة مليارات دولار المجمدة في قطر أمام شبيري زنجاني، أحد أبرز رجال الدين في البلاد.

كما صرّح بيزشكيان بأن اتفاق السلام يحظى بدعم المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، قائلاً إن فصائل داخل البلاد وخارجها تسعى إلى عرقلة العملية الدبلوماسية، وفق وول ستريت جورنال.