بعد مرور نحو 100 يوم على الحرب، ومع توصل واشنطن وطهران إلى مذكرة تفاهم غامضة نوعا ما لإنهاء هذا الصراع، يرى محللون أن الحرب والاتفاق لم ينهيا التهديدات الرئيسية المقبلة من إيران.

وفق مقال تحليلي لـ"نيويورك تايمز" فبرنامج إيران النووي، رغم تضرره الشديد، لم يُقضَ عليه، بل أُحيل مصيره إلى مفاوضات مستقبلية.

وينطبق الأمر نفسه على صواريخ إيران الباليستية، التي لم يتناولها الاتفاق. كذلك استمر النظام في إيران، وإن كان بقيادة جديدة، ولا يزال حلفاؤها يشكلون تهديدا للمنطقة.

تورط أميركا

تقول كايتلين تالمادج، الأستاذة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والمتخصصة في قضايا الأمن: "هذه ليست وثيقة وافقت عليها الولايات المتحدة لأن الحرب أظهرت تفوقا عسكريا أميركيا جديدا. أعتقد أنها وثيقة نتجت عن حقيقة أن الولايات المتحدة تورطت في أمر يفوق طاقتها ولا ترغب في التصعيد".

وأضافت أن "هذا هدف جدير بالاهتمام. لكن هذا يثير تساؤلا هاما حول ما تم تحقيقه هنا، لا سيما بالمقارنة مع الاتفاق النووي الإيراني الأصلي".

العداء لأميركا وحلفائها

جوهر المذكرة هو أن إيران ستتخلى عن العداء تجاه الولايات المتحدة وحلفائها، مقابل مكاسب اقتصادية واسعة النطاق، وإن كانت تدريجية في بعض الأحيان.

وقد بلغ طموح الاتفاق، كما وصفه نائب الرئيس جيه دي فانس للصحفيين يوم الخميس، حدا يتمثل في تغيير علاقات إيران العدائية مع الولايات المتحدة ومعظم دول المنطقة منذ ثورتها عام 1979.

يقول كريم حجاج، مدير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، إن حروب الشرق الأوسط غالبا ما تُؤدي إلى مزيد من التطرف، لا العكس. وأضاف: "الحقيقة هي أن المنطقة ستكون أكثر اضطرابا في أعقاب هذا الصراع".

ويرى المقال التحليلي أن المذكرة سيكون لها الوقع التالي على الدول المعنية:

  • الولايات المتحدة

يرى المحللون أن الرئيس دونالد ترامب ورغم كسره المحظور الأميركي المتمثل في مهاجمة إيران، إلا أنه بذلك أهدر أقوى أداة احتفظت بها واشنطن منذ الثورة: التهديد باستخدام القوة.

فواشنطن استخدمت هذه الأداة، ولم تُحقق أهدافها، وهو درس من المؤكد أن إيران ستستوعبه، بحسب المحللين.

ففي حرب الـ 12 يوما في يونيو 2025، على سبيل المثال، تمكن الجيش الأميركي من التشكيك في جدوى البرنامج النووي الإيراني على المدى البعيد، وذلك بإرسال قاذفات بعيدة المدى لتدمير المنشآت النووية تحت ركام هائل، كما ذكرت تالمادج من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

وأضافت أن الحرب الأخيرة كان لها أثر معاكس، إذ تراجع الرئيس ترامب عن التصعيد. وقالت المحللة: "أعتقد أن الولايات المتحدة قوضت، بطريقة ما، نفوذها".

وفي الوقت نفسه، تسببت الهجمات الإيرانية على القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة بأضرار جسيمة، مما أضعف جانبا آخر من النفوذ الأميركي، على حد قولها.

  • إيران

رغم كل الدمار الذي أحدثته الحرب على إيران والخسائر البشرية على المستوى المدني والسياسي بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، إلى جانب عشرات من كبار القادة العسكريين، فإن إصرار الحكومة ساهم في "إعادة تنشيط نظرة إيران إلى أمنها"، كما قال أفشون أوستوفار، مؤلف كتاب "حروب الطموح: الولايات المتحدة وإيران والصراع على الشرق الأوسط".

ويرى المحللون أن فكرة استبدال العداء تجاه الولايات المتحدة بتحسين الازدهار تُعدّ مقامرة.

  • إسرائيل

دخلت إسرائيل الحرب وهي مقتنعة بأنها ستُضعف إيران لجيل على الأقل. بدلا من ذلك، وجدت إسرائيل نفسها مهمشة من قبل حليفتها الولايات المتحدة، في اتفاقية تجاهلت أهدافها، بل وزادت الأمر سوءا بتقييد حريتها في شنّ هجمات في لبنان.

كما انتقد ترامب مرارا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كاشفاً عن انقسام نادر في العلاقات الأميركية الإسرائيلية في لحظة حرجة، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.

من وجهة نظر إسرائيلية، تُعدّ مذكرة التفاهم كارثة. يقول داني سيترينوفيتش، ضابط المخابرات الإسرائيلي المتقاعد والمتخصص في الشأن الإيراني: "إنها انهيار كامل للاستراتيجية التي كنا نعتمدها تجاه إيران".

  • لبنان

يُعتبر لبنان، بحسب المحللين، نقطة الضعف في هذه المذكرة. فحزب الله زج البلاد في حربين مدمرتين - إحداهما لدعم حماس في غزة، والأخرى عندما هاجمت إسرائيل إيران. وقد خلّف العنف آلاف القتلى، من بينهم أكثر من 4000 مدني هذا العام، وفقًا لوزارة الصحة.

وقد زاد غياب الدعم المالي من إيران لإعادة الإعمار من حدة الغضب الشعبي داخل بيئة حزب الله. لكنّ الحرس الثوري الإيراني يعمل بجدٍّ على استعادة القدرات العسكرية للحزب، بحسب المحللين، وقد يُحوّل جزءا من الأموال التي وُعدت بها طهران لإعادة الإعمار إلى الحزب.