عندما غادرت السفينة الهجومية البرمائية الأميركية يو إس إس بوكسر مياه الشرق الأوسط متجهة نحو بحر الصين الجنوبي، بدا الأمر للوهلة الأولى مجرد إعادة انتشار عسكرية روتينية. لكن السفينة لم تكن قطعة بحرية عادية، إذ وصلت إلى المنطقة في مارس الماضي وعلى متنها نحو 2000 من مشاة البحرية الأميركية المدربين على عمليات الإنزال والقتال البري.
وبعد أسابيع من التصعيد العسكري والضربات المتبادلة والحشد البحري الأميركي غير المسبوق، جاء قرار سحب بوكسر دون إرسال قوة مماثلة لتحل محلها، ما أثار تساؤلات بين المحللين العسكريين حول ما إذا كانت واشنطن قد تخلت فعليا عن خيار العمليات البرية ضد إيران، واكتفت باستراتيجية تقوم على الضربات الجوية والحصار البحري والضغط الاقتصادي.
لماذا أرسلت واشنطن بوكسر إلى الشرق الأوسط؟
بحسب تقرير نشره ميليتاري تايمز، دفعت الولايات المتحدة في 20 مارس 2026 بالسفينة الهجومية البرمائية يو إس إس بوكسر إلى الشرق الأوسط برفقة الوحدة الاستكشافية الحادية عشرة لمشاة البحرية، في إطار تعزيزات عسكرية واسعة خلال الحرب مع إيران.
ونقل التقرير عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن السفينة حملت آلاف الجنود والبحارة الإضافيين إلى المنطقة، فيما كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب تدرس إرسال مزيد من القوات لدعم عملياتها العسكرية.
وأشار أحد المسؤولين إلى أن عملية الانتشار تمت قبل الموعد المقرر بنحو ثلاثة أسابيع، ما عكس حالة الاستعجال التي كانت تطبع التحضيرات الأميركية آنذاك.
كما أفادت صحيفة جيروزاليم بوست بأن بوكسر غادرت قاعدة سان دييغو برفقة سفينتي يو إس إس بورتلاند و يو إس إس كومستوك، حاملة نحو 2500 من مشاة البحرية وما يقارب 4000 عنصر عسكري إجمالا.
ووفقا لتحليل نشرته صحيفة إل موندو الإسبانية، فإن أهمية بوكسر لا تكمن فقط في عدد الجنود الذين تحملهم، بل في طبيعة مهامها. صممت السفينة خصيصا لعمليات الإنزال البرمائي السريع، وتمتلك حوضا مائيا يسمح بإطلاق زوارق وقوات وآليات هجومية مباشرة نحو الشواطئ المعادية. كما تستطيع حمل مقاتلات"إف-35 ومروحيات هجومية ونقل قوات نخبة إلى خطوط المواجهة الأمامية.
وأضافت الصحيفة أن وصول السفينة أثار تكهنات واسعة آنذاك بشأن احتمال تنفيذ عمليات برية محدودة داخل إيران أو السيطرة على مواقع استراتيجية مثل جزيرة خرج، التي كانت تصدر قبل الحرب ما بين 90 و95 بالمئة من النفط الإيراني.
سحب بوكسر.. هل انتهى خيار التدخل البري؟
بحسب تقرير إل موندو، تمثل مغادرة بوكسر من سنغافورة باتجاه بحر الصين الجنوبي مؤشرا مهما على تراجع احتمالات أي عملية برية أميركية ضد إيران.
وقالت الصحيفة إن السفينة غادرت المنطقة "من دون أن تحل محلها أي قوة مماثلة"، ما يعني أن الولايات المتحدة فقدت أهم منصة بحرية مخصصة لعمليات الإنزال البري في مسرح العمليات الإيراني.
وأشار التقرير إلى أن السفينة حولت تركيزها من إيران إلى الصين، وأصبحت تعمل حاليا ضمن نطاق بحر الصين الجنوبي الذي يشهد تنافسا استراتيجيا متزايدا بين واشنطن وبكين.
ورغم أن سفينة يو إس إس تريبولي ما زالت موجودة في المنطقة، فإن الخبراء يميزون بين مهمتي السفينتين. وتركز تريبولي بصورة أكبر على العمليات الجوية والضربات الدقيقة، بينما تتميز بوكسر بقدرتها الفريدة على إنزال القوات والآليات مباشرة إلى اليابسة.
وأضافت إل موندو أن سحب بوكسر يجعل سيناريو السيطرة على جزيرة خرج أو أجزاء من مضيق هرمز "مستبعدا تماما"، مشيرة إلى أن الخيارات الأميركية باتت تقتصر على الحصار البحري واستهداف الزوارق الإيرانية ومنصات الصواريخ ومواقع الألغام من الجو والبحر.
في المقابل، حذرت الصحيفة من تفسير القرار باعتباره انسحابا أميركيا أو خفضا للضغط العسكري، مؤكدة أن واشنطن ما زالت تواصل عملياتها العسكرية ضد السفن الإيرانية ومحاولات كسر الحصار البحري.
من الخليج إلى الصين.. إعادة ترتيب الأولويات الأميركية
وصف تقرير نشره موقع جي فيد الإسرائيلي التحرك الأميركي بأنه "انسحاب استراتيجي كبير" من الخليج العربي، مشيرا إلى أن البحرية الأميركية أمرت مجموعة بوكسر القتالية بالتوجه شرقا نحو الفلبين.
وأوضح التقرير أن السفينة تمثل منصة هجومية متقدمة قادرة على تنفيذ عمليات إنزال واسعة النطاق ونقل قوات النخبة إلى بيئات قتالية معادية خلال وقت قصير.
وأشار إلى أن إرسال هذه القوة في بداية الحرب كان مرتبطا بدراسة خيارات للسيطرة على مناطق بحرية حساسة في حال تطلبت العمليات ذلك. أما اليوم، فإن إعادة توجيهها نحو آسيا تعكس، بحسب محللين استراتيجيين، تحولا في الأولويات الأميركية من الشرق الأوسط إلى مواجهة التحديات المتزايدة في المحيطين الهندي والهادئ.
وأضاف التقرير أن إعادة تموضع بوكسر قرب الفلبين وبالتنسيق مع مجموعة حاملة الطائرات جورج واشنطن يهدف إلى تعزيز الردع الأميركي في مواجهة الصين، خصوصا في بحر الصين الجنوبي.
وبينما يرى بعض المراقبين أن الخطوة تمثل مؤشرا على خفض احتمالات التصعيد ضد إيران، يرى آخرون أنها تعكس قناعة أميركية بأن تحقيق الأهداف الحالية لم يعد يتطلب قوات إنزال برمائي، وأن الضربات الجوية والحصار البحري كافية لمواصلة الضغط على طهران.





