أنهت الولايات المتحدة رسمياً تصنيف سوريا كـ"دولة راعية للإرهاب"، في خطوة تفتح فصلاً جديداً في العلاقات بين واشنطن ودمشق، بعد عقود من القطيعة والعقوبات.
وجاء القرار، الذي دخل حيز التنفيذ الاثنين 24 أغسطس 2026، بعد إجراءات بدأتها الإدارة الأميركية في وقت سابق من العام، ليضع حداً لإدراج سوريا على القائمة منذ عام 1979.
بينما تنظر دمشق إلى القرار باعتباره تحولاً مهماً على الصعيدين السياسي والاقتصادي، خصوصاً أنه يأتي في وقت تسعى فيه الحكومة السورية الجديدة إلى إعادة بناء الاقتصاد وفتح قنوات أوسع مع المؤسسات والأسواق العالمية.
من العزلة إلى الانفتاح.. ماذا يعني القرار؟
يحمل القرار أهمية تتجاوز الجانب السياسي، إذ أن تصنيف سوريا ضمن الدول الراعية للإرهاب كان يفرض قيوداً على المساعدات الأميركية وبعض المعاملات المالية والتجارية، إضافة إلى قيود مرتبطة بالتعاون الدفاعي.
ومنذ صدور القرار، انهالت تعليقات لسوريين على المنصات متفائلة، لكنها في الوقت ذاته تساءلت عن الأثر الفعلي للأمر على حياة المواطن السوري وعلى اقتصاد البلاد المنهك بفعل الحرب والعقوبات.
فرغم أهمية القرار، إلا أن خروجه إلى حيز التنفيذ لا يعني انتهاء جميع القيود المفروضة على سوريا دفعة واحدة، لكنه يزيل أحد أبرز الحواجز القانونية والسياسية أمام التعامل الدولي معها.
في حين تبقى قدرة دمشق على الاستفادة من هذه الخطوة مرتبطة بمدى نجاحها في جذب الاستثمارات، وإعادة بناء القطاع المصرفي، وتحسين بيئة الأعمال، إلى جانب قدرتها على تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومؤسسية.
وبذلك، تتحول خطوة واشنطن من مجرد قرار دبلوماسي إلى اختبار فعلي لسوريا الجديدة:
"بسواعد أبنائها وخبراتهم"
عن هذا أوضح رائد الأعمال شارل مهند الملك، مؤسس منظمة التكنوقراط السوريون وعضو مجلس الأمناء، أن البنك الدولي كان حدد فاتورة إعادة الإعمار في سوريا بـ ٢١٩ مليار دولار تقريبا، بينما يصل الناتج المحلي الإجمالي للبلد (GDP) بحوالي ٢١ مليار تقريبا، ما يعني أن فاتورة إعادة الأعمار تقدر بـ١٠ مرات ضعف الناتج المحلي، أي أن أمام سوريا فجوة عمل ١٠ سنوات تقريبا فقط لإعادة الأعمار.
وشدد على أن ما من مساعدات كانت ستصل سوريا من بنوك أو دول، إلا بإزالة اسم سوريا كدولة راعية للإرهاب، ومن هنا تأتي أهمية القرار، حيث أن أول حاجز لإدخال المساعدات من أموال وتكنولوجيا أزيل بإزالة القرار.
أيضا ذكر أن المساعدات لسوريا سابقا كانت محصورة بمواد غذائية وإنسانية فقط، لكن سوريا تحولت اليوم من دولة تعتمد على الدعم الإنساني فقط إلى دولة مستعدة لاستقبال دعم استثماري.
ولفت إلى أن الدعم المتوقع لسوريا يشمل أموالا للبناء ومشاريع التنمية.
وشدد على أن سوريا لم تعد تعتمد في إعادة الإعمار على شرط إلغاء العقوبات، بل على بناء القدرات وتعزيزها، أي بناء الإنسان، وهنا يأتي دور الكفاءات.
وأكد على الدور الذي ستلعبه الكفاءات السورية من بعد إقرار القرار عبر نقل خبراتها وتجاربها إلى الوطن.
إلى ذلك أعرب عن تفاؤله بمستقبل سوريا معتمدة على قدرات شبابها، مؤكدا أنه لا مجال للأعذار بعد اليوم إذ أن خبرات اللاجئين السوريين ممن تهجروا خلال سنوات الحرب وحدها كافية لبدء العمل.
تفاؤل سوري ودولي
من ناحية أميركا، واشنطن ترى أن إزالة التصنيف يمكن أن تساعد في خلق بيئة أكثر ملاءمة أمام الشركات والمستثمرين، فيما تراهن دمشق على أن تخفيف القيود سيسهم في جذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا ودعم عملية إعادة الإعمار.
وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، اعتبر أن القرار يمكن أن يشجع على زيادة الاستثمارات في سوريا، بما يدعم استقرارها الاقتصادي والسياسي، مع التأكيد في الوقت نفسه على استمرار السياسة الأميركية المتعلقة بمكافحة الإرهاب وملاحقة الجهات التي تعتبرها واشنطن خطرة.
أما في سوريا، فقوبلت الخطوة بترحيب رسمي واسع، إذ هنأ الرئيس السوري أحمد الشرع السوريين برفع اسم بلادهم من قائمة الدول الراعية للإرهاب، موجهاً الشكر إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكل من وقف إلى جانب سوريا.
وقال الشرع إن سوريا "تمزق بأيديها صفحة من ماضيها الأليم لتنطلق إلى فضاء التنمية والإعمار والبناء".
كما وصف حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان إنهاء التصنيف بأنه نقطة تحول تعيد سوريا إلى موقع أكثر انفتاحاً داخل النظام الاقتصادي العالمي، مشيراً إلى جهود المصرف لتطوير نظام مالي قادر على التعامل مع المرحلة الجديدة.
فيما رأى وزير المالية محمد برنية، فرأى في القرار ثمرة مهمة للتحرك الدبلوماسي السوري، معتبراً أنه قد يمهد لزيادة ارتباط البلاد بالنظام المالي الدولي، ويفتح المجال أمام الاستثمارات والتقنيات الحديثة.
لكن المسؤول السوري أشار في الوقت نفسه إلى أن الانفتاح الجديد يضع دمشق أمام مهمة أكبر، تتمثل في مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والمالية وتعزيز مؤسسات الدولة.
سلسلة تحولات
يذكر أن القرار لا يأتي القرار منفصلاً عن سلسلة من التحولات في السياسة الأميركية تجاه سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
فخلال الفترة الماضية، بدأت واشنطن بتخفيف عدد من القيود والعقوبات، بالتوازي مع انفتاح سياسي متزايد على القيادة السورية الجديدة، وصولاً إلى لقاءات رفيعة المستوى بين الجانبين.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن رفع سوريا من القائمة يزيل أحد أكبر العوائق أمام استثمارات القطاع الخاص، معتبراً أن الخطوة يمكن أن تساعد البلاد على استعادة موقعها ضمن الاقتصاد العالمي.
بدوره، وصف المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك القرار بأنه محطة مفصلية في انتقال العلاقات من مرحلة العزلة إلى الشراكة، معتبراً أن واشنطن ودمشق تدخلان مرحلة جديدة تقوم على المصالح والأمن المشترك.





