يشهد سوق التوظيف تغييرات ملحوظة منذ أول إعلان قبل أكثر من ٢٠٠ عام، بعد أن أصبحت توصيفات الوظائف (Job Description) طويلة أكثر من اللزوم، وأحيانا يجمع إعلان لوظيفة واحدة بين اختصاصين معا.

ورغم أن تاريخ أقدم إعلان وظيفة معروف يعود إلى عام ١٧٥٢، حيث نشره صاحب عمل في إحدى صحف فرجينيا باحثًا عن صياد محار. لم يكن هناك سوى شرطين: أن يكون المتقدم "شخصا رزينا، حسن السمعة"، وفق تقرير لموقع "بيزنس إنسايدر".

فلأكثر من قرنين، ظلت الإعلانات موجزة نسبيا، إذ كان أصحاب العمل يدفعون مقابل كل سطر لنشرها في الصحف. ثم أتاحت مواقع التوظيف الإلكترونية نشرها على نطاق أوسع. إلا أن أنظمة تتبع المتقدمين المعقدة والأسئلة أو الاختبارات الإضافية في طلبات التوظيف أطالت العملية.

وفق التقرير، تسارع هذا التطور قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحا على نطاق واسع، وتشير بيانات BambooHR إلى أن أوصاف الوظائف زادت بنسبة ١٧٪ في عدد الأحرف من عام ٢٠١٦ إلى عام ٢٠٢٥، مع تسجيل أكبر تسارع بين عامي ٢٠٢١ و٢٠٢٢.

غموض يلف إعلانات التوظيف

تعكس بعض أوصاف الوظائف المطولة التحول الكبير القادم في مجال العمل المكتبي. فالمسوقون الآن يحللون الشفرة البرمجية، ومهندسو البرمجيات يراجعون المزيد من الشفرات، وشركات مثل ميتا تروج لمستقبل قد يقوم فيه شخص واحد بالعمل الذي كان يقوم به فريق كامل، حيث يتولى البعض إدارة وكلاء التوظيف.

تقول ميشيل فولبيرغ، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة تويل للتوظيف: "هناك الكثير من المجهول هنا". فالإعلانات مُطوّلة، وتصبح "كالمظلة، حيث يضعون جميع السيناريوهات المحتملة التي سيقوم بها هذا الشخص خلال الأشهر الستة إلى التسعة القادمة، لأنهم لا يعرفون من سيحتاجون إليه بعد ستة أشهر من الآن".

هل فقدت السيرة الذاتية قوتها؟

يقول مسؤولو التوظيف إن الرسائل التعريفية والسير الذاتية فقدت معناها في وقت يستطيع فيه أي شخص تخصيص طلباته للوظائف من خلال استخدام برامج مثل ChatGPT. أما فيما يتعلق بأوصاف الوظائف، فإن الذكاء الاصطناعي يزيد المشكلة تعقيدًا. فإسهابه يؤدي إلى قوائم طويلة مليئة بالمصطلحات التقنية، لكن هذه التقنية غيّرت التوقعات بسرعة، وفق بزنس إنسايدر.

ييقول مارك سينيديلا، الرئيس التنفيذي لموقع التوظيف Ladders: "لا يعني كثرة الفقرات بالضرورة اختيارا أفضل، ولا تعني كثرة النقاط بالضرورة ملاءمة أكبر. لذا، فإن هذه الأوصاف الوظيفية المطولة تضر بالمرشحين والشركات على حد سواء".

توصيفات تضاهي السيرة الذاتية

بالتصفح في لينكدإن، يسهل العثور على توصيفات وظائف تُضاهي السيرة الذاتية، حيث تتضمن مسؤوليات كثيرة لدرجة أنها مُقسّمة تحت عناوين فرعية متعددة. على سبيل المثال، يطلب إعلان وظيفة مدير اتصالات مؤسسية من المتقدمين استيفاء تسعة مؤهلات، بالإضافة إلى ستة "مؤهلات مفضلة"، وتغطي 22 مسؤولية، وفق التقرير.

وقد ارتفع متوسط طول مسميات الوظائف من 2.4 كلمة في عام 2013 إلى أربع كلمات في العام الماضي، وفقا لتحليل أجرته شركة BambooHR المتخصصة في برامج إدارة الموارد البشرية، حيث وجدت أن الوظائف الطويلة والمتخصصة للغاية هي السبب الرئيسي في زيادة عدد الأحرف.

ووجدت منصة التوظيف Greenhouse أن متوسط عدد الأحرف في وصف الوظيفة قد زاد بنسبة 7.4% من عام 2022 إلى عام 2026، أي خلال السنوات الأربع التي تلت انتشار برنامج ChatGPT على نطاق واسع.

يقول ترينت كوتون، رئيس قسم رؤى المواهب في شركة ICIMS لبرمجيات التوظيف: "لقد ابتعدنا كثيراً عن الغاية الحقيقية من وصف الوظيفة وما ينبغي أن يكون عليه".

ويؤكد أن وصف الوظيفة يجب أن يكون بمثابة بطاقة تقييم، حيث يمكن للمرشح ومسؤول التوظيف ومدير التوظيف تقييم مهارات الشخص ومدى ملاءمته للوظيفة.

وتعطي العديد من الشركات الآن الأولوية للتوظيف القائم على المهارات، حيث تُفضّل القدرات العملية على الشهادات المرموقة والخبرة في الشركات الرائدة. وقد أدى هذا التحول أيضاً إلى تضخم أقسام المهارات في قوائم الوظائف.