في الوقت الذي تصعد فيه الولايات المتحدة من وتيرة حربها الاقتصادية العالمية، تبدي الدول المستهدفة صموداً غير متوقع يُربك حسابات صانع القرار في واشنطن، بحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.

هذا المشهد يعكس حقيقة بنيوية قاسية أمام الإدارة الأميركية: سلاح العقوبات الاقتصادية بات عاجزاً عن إركاع الأنظمة التي تعتبرها معادية، بعدما تمكنت الأخيرة من تفكيك شفرة القيود وتطوير آليات معقدة للالتفاف عليها.

طهران وبكين.. شريان النفط يكسر الحصار

على مدى الـ 18 شهراً الماضية، أمطرت واشنطن إيران بأكثر من 1000 عقوبة جديدة ضمن حملة "الضغط الأقصى" لإجبارها على التنازل.

ورغم أن هذه العقوبات خنقت الاقتصاد الإيراني وأججت السخط الشعبي، فإن طهران نجحت في تأمين مليارات الدولارات عبر قنوات خلفية، لعل أبرزها استمرار تدفق صادراتها النفطية إلى الصين.

هذا التدفق المالي أضعف بشكل صارخ أوراق الضغط الأميركية في المفاوضات الأخيرة، والتي تضمنت عرضاً من البيت الأبيض برفع العقوبات نهائياً مقابل تفكيك البرنامج النووي وضمان حرية الملاحة.

ولم تملك إدارة ترامب خياراً لوقف عوائد النفط الإيراني (التي بلغت نحو 43 مليار دولار في عام 2024) وجر طهران إلى طاولة المفاوضات، سوى اللجوء إلى خيار خشن تمثل في "الحصار البحري" للموانئ الإيرانية.

"تضخم" في العقوبات.. وفعالية متآكلة

تُظهر بيانات وزارة الخزانة الأميركية إفراطاً غير مسبوق في استخدام هذا السلاح اللوجستي؛ حيث قفزت الإدراجات السنوية الجديدة على قوائم العقوبات من 880 عقوبة في عام 2017 إلى أكثر من 3000 عقوبة في عام 2024.

تعتمد هذه العقوبات تقليدياً على سلاح "سلوكية المقاطعة"، وعزل المستهدفين عن النظام المالي القائم على الدولار، وتهديد الشركات العالمية بـ"عقوبات ثانوية". ومع ذلك، يثبت الواقع جيوسياسياً واقتصادياً فشل هذه النظرية في تحقيق أهدافها السياسية ، بحسب التقرير الذي توصل إلى أن:

  • كوريا الشمالية: تواصل تطوير برنامجها النووي، وتبدو النخبة الحاكمة هناك أكثر ثراءً من أي وقت مضى.
  • روسيا: رغم الاستنزاف الاقتصادي الكبير جراء حرب أوكرانيا، لا يزال الكرملين قادراً على تمويل آلته العسكرية.
  • فنزويلا: صمد نظام نيكولاس مادورو أمام العقوبات لعقد من الزمن، ولم يُطح به إلا عبر تدخل عسكري مباشر من القوات الأميركية.
  • ميانمار وكوبا: ما زال المجلس العسكري يحكم الأولى، وتحافظ حكومة هافانا على بقائها رغم هرب الاستثمارات الأجنبية.

اعتراف أميركي

أمام هذا التآكل في كفاءة الردع الاقتصادي، بدأت إدارة ترامب في مراجعة جدوى هذه السياسة، بحسب التقرير، ورغم تكثيف الضغط على طهران، إلا أن واشنطن أبطأت الوتيرة الإجمالية لإدراج العقوبات الجديدة العام الماضي.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسينت، في مايو الماضي، بمثابة اعتراف ضمني بضرورة تغيير الاستراتيجية، حيث قال: "الإجراءات الأكثر فاعلية هي تلك التي تكون هجومية، ومستهدفة، ومحددة بجداول زمنية واضحة. إننا نقوم حالياً بمراجعة العقوبات القديمة والمتقادمة؛ إذ لا ينبغي أن تستمر العقوبات لفترات طويلة تؤدي فيها آثارها المستهدفة إلى خلق عواقب غير مقصودة تضر بالمصالح الأميركية".

جبهة الدفاع عن "العقوبات"

في المقابل، يدافع المسؤولون الأميركيون عن جدوى هذه السياسة، إذ يرى البيت الأبيض أن العقوبات ألحقت خسائر اقتصادية فادحة بطهران وجرتها مجبرة إلى طاولة المفاوضات.

وشملت الاستراتيجية الأميركية استهداف الناقلات التي تنقل النفط الإيراني، وشبكات المشتريات العسكرية، بالإضافة إلى تجفيف منابع وصول النظام إلى العملات المشفرة والشركات الوهمية التي تمرر الدولارات عبر النظام المالي العالمي.

وفي هذا السياق، صرح متحدث باسم وزارة الخزانة قائلاً: "لقد نجحت هذه الإجراءات في تعطيل عشرات المليارات من الدولارات من الإيرادات التي كانت ستوجه لتمويل الإرهاب".

ومع ذلك، يواجه الاتفاق الأخير مع إيران انتقادات لاذعة من صقور الحزب الجمهوري، الذين يرون أن واشنطن قدمت تنازلات مفرطة لطهران، شملت إعفاءات مؤقتة سمحت لها ببيع المزيد من النفط دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية الشاملة.

ويرى خبراء اقتصاديون ومسؤولون سابقون أن الإخفاق الأميركي في تغيير سلوك الأنظمة لا يعود إلى العقوبات ذاتها، بل إلى "آلية التنفيذ". ويقول آفي فيشنيفتس، الباحث الأول في مركز أبحاث تمويل الإرهاب: "العقوبات المفروضة على إيران لم تكن لينة على الإطلاق، لكن ما ثبت لينه وضعفه هو آليات التطبيق وفرض الالتزام بها".

"اليوان" الصيني.. الملاذ المالي الآمن

بات النظام المالي الصيني وعملتها "اليوان" حجر الزاوية في جهود المحور الثلاثي (إيران، روسيا، كوريا الشمالية) للإفلات من قبضات واشنطن.

وتعد الصين المشتري الأكبر للنفط الإيراني، حيث تلعب البنوك الصينية دوراً محورياً في تحويل عوائد المبيعات إلى شركات الواجهة الإيرانية لشراء السلع والخدمات داخل الصين.

ورغم هذه الأدوار الواضحة، تبدي العواصم الغربية تردداً كبيراً في معاقبة بكين، خشية حدوث ارتدادات عكسية قد تعطّل حركة التجارة العالمية الحيوية أو تثير غضب القيادة الصينية.

وحسب تقرير قدمته "اللجنة الاقتصادية والأمنية المشتركة بين الولايات المتحدة والصين" إلى الكونغرس، لم يتم فرض عقوبات على أي بنك صيني من قبل واشنطن لتسهيل المدفوعات لصالح روسيا، في حين فرض الاتحاد الأوروبي العام الماضي عقوبات على بنكين إقليميين صغيرين فقط للمرة الأولى.

ثغرات "مقصودة"

تخضع بعض العقوبات لثغرات وتنازلات يجري تصميمها عمداً، إذ سمحت العقوبات الغربية المفروضة على روسيا بعد حرب أوكرانيا باستمرار بعض مبيعات الطاقة الروسية، لاسيما المتجهة إلى أوروبا.

ورغم قيام إدارة ترامب بتوسيع العقوبات على النفط الخام الروسي، إلا أن الصدام مع إيران وما تلاه من قفزة في أسعار النفط أجبر ترامب على تقليص تلك القيود وتخفيفها منذ مارس الماضي. ويقدر المحللون الاقتصاديون أن هذه التراجعات وفرت لروسيا عوائد إضافية بلغت 2.4 مليار دولار في شهر مايو وحده.