حطّت الطائرة الأولى على مدرج مطار رينيه معوض في القليعات، وعلى متنها رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الأشغال فايز رسامني، معلنة إطلاق مسار تأهيل وتشغيل المطار المدني الثاني في لبنان بعد مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت.

الحدث أعاد مطار القليعات إلى الواجهة، لا بوصفه منشأة جوية فقط، بل كاختبار لقدرة الدولة على تحويل وعد إنمائي قديم في عكار إلى مرفق عامل يربط الشمال بالدورة الاقتصادية.

في منطقة عانت لعقود من ضعف الاستثمارات الكبرى، يصبح السؤال أبعد من هبوط الطائرة الأولى، هل يتحول مطار القليعات إلى بوابة اقتصادية فعلية لعكار والشمال، أم يبقى نجاحه مرهونًا بسرعة التشغيل، وجذب الرحلات، وتجهيز البنية المحيطة به؟

Image 1

طائرة أولى ورسالة دولة

بحسب الوكالة الوطنية للإعلام، بدأ الاحتفال بإطلاق العمل في المطار مع هبوط الطائرة الأولى التي أقلّت سلام ورسامني. ووفق "المركزية" و"جنوبية"، واكب الحدث انتشار أمني للجيش اللبناني عند مداخل المطار وفي محيطه، مع تحليق طوافات عسكرية وتنظيم دخول المدعوين الرسميين.

سياسيًا، قدّم سلام المشروع كخطوة في صلب الإنماء المتوازن والعدالة بين المناطق. ووفق الوكالة الوطنية اللبنانية، قال من مطار القليعات إن "لا مناطق منسية بعد اليوم"، مؤكدًا أن المطار ليس بديلًا عن مطار بيروت، بل جزء من بنية جوية حديثة ومتكاملة يحتاجها لبنان.

وربط سلام أيضًا إعادة الحياة إلى المطار بمعنى الدولة ووثيقة الطائف، مشددًا على أن استكمال الطائف يتطلب بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها وحدها، بحسب الوكالة الوطنية.

عقد تشغيل لـ٤ سنوات

"المدن" كتبت أن شركة "سكاي لاونج" الفائزة بالتلزيم ستبدأ تجهيز المطار بعد أقل من 48 ساعة من افتتاحه، استعدادًا لتشغيله في الـ٩ من سبتمبر المقبل.

وبحسب "المدن"، يمتد عقد التلزيم لـ٤ سنوات، على أن تحصل الدولة اللبنانية على 10% من صافي الأرباح، مع حد أدنى لا يقل عن مليون و11 ألف دولار خلال فترة العقد. كما أوضح التقرير أن علاقة الدولة ستكون محصورة بشركة "سكاي لاونج".

أما "النهار"، في تقرير للصحافية سلوى بعلبكي، فنقلت عن رئيس الهيئة العامة للطيران المدني محمد عزيز أن المطار قادر بصيغته الحالية على استقبال طائرتين كبيرتين يوميًا، أو ما يصل إلى 40 طائرة صغيرة من فئة Embraer وAirbus A320 يوميًا، باستخدام المدرج الحالي نفسه.

عكار أمام فرصة اقتصادية

البعد الإنمائي هو قلب القصة. فـ"المدن" أشارت إلى أن محافظة عكار تسجل نسبة فقر تناهز 62%، مع أدنى مشاركة في النشاط الاقتصادي وأعلى مستوى بطالة في صفوف النساء.

لذلك بدا المطار محاولة لإخراج عكار من موقعها الطرفي. فبحسب "النهار"، قال رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل سجيع عطية إن المشروع قد يوفر نحو 1000 وظيفة ويدخل إلى الدولة ما يقارب مليون دولار سنويًا.

كما ربطت "المدن" أهمية المطار بموقعه القريب من الحدود السورية وبُعده نحو 25 كيلومترًا عن مرفأ طرابلس، ما يمنحه أفضلية لوجستية في الشحن التجاري، خصوصًا مع احتمال استخدامه لاحقًا لخدمة أسواق شمال سوريا ووسطها عند تسارع إعادة الإعمار.

مدرج لا يكفي وحده

تشغيل المطار لا يتوقف على هبوط الطائرات فقط. تقرير "النهار" أوضح أن دفتر الشروط يلزم المستثمر إنشاء مبنى للركاب، وتجهيز خدمات تزويد الطائرات بالوقود، والخدمات الأرضية، والشحن الجوي، وخدمات الركاب، والأمتعة، والتموين، والتغليف.

كما أشار التقرير إلى رفع ضمان العرض إلى 150 ألف دولار، وزيادة الحد الأدنى لسعر الافتتاح إلى 200 ألف دولار، وفرض تأمينات وضمانات تتجاوز قيمتها الإجمالية 16 مليون دولار. ووفق التقرير نفسه، ألزمت وزارة الأشغال العامة تأهيل الطريق المؤدية إلى المطار خلال 90 يومًا.

ومن الناحية التشغيلية، يراهن القائمون على المشروع، بحسب "النهار"، على استقطاب شركات الطيران المنخفضة الكلفة، وعلى قرب المطار من الحدود السورية لجذب المسافر السوري إذا نُظّم التعاون اللوجستي والنقل بين البلدين.

قطاع طيران تحت ضغط التشغيل

وتحضر حساسية التشغيل الجوي في لبنان من تجربة الأشهر الماضية. فقد أوردت رويترز أن طيران الشرق الأوسط واصلت رحلاتها خلال الحرب والانهيار المالي.

وبحسب رويترز، بدأت هيئة تنظيم الطيران المدني اللبنانية تدقيقًا يتعلق بالسلامة في طيران الشرق الأوسط، بعد مخاوف عبّرت عنها مجموعات طيارين بشأن التحليق قرب مواقع الغارات الجوية. في المقابل، قالت الشركة إن التدقيق إجراء سنوي كان مجدولًا منذ زمن، وإن رحلاتها خلال العمليات العسكرية تمت بناءً على تقييمات أخطار بالتعاون مع الحكومة والهيئة العامة للطيران المدني، مؤكدة أنها لم تسجل أي حادث خلال السنوات الستين الماضية.

مطار القليعات يحتاج إلى تشغيل فعلي في سبتمبر، وطرق مؤهلة، وشركات راغبة، وحركة ركاب وشحن، ورقابة تشغيلية قادرة على مواكبة قطاع طيران يعمل تحت ضغوط استثنائية. في عكار، لا ينتظر الناس مدرجًا فقط، بل حضورًا فعليًا للدولة.