بينما كانت الأسواق العالمية تستعد لسيناريوهات كارثية مع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، برزت الصين كحالة استثنائية في إدارة أزمة الطاقة.

بدلا من الانجرار إلى سباق محموم على شراء النفط ورفع الأسعار أكثر، خفضت بكين وارداتها بشكل حاد، مستفيدة من سنوات طويلة من التخطيط الاستراتيجي وبناء المخزونات وتنويع مصادر الطاقة، ما ساعدها ليس فقط على حماية اقتصادها، بل أيضا على كبح جماح أسعار النفط العالمية.

وذكرت صحيفة ليزيكو الفرنسية أن الاقتصاد الصيني أظهر قدرة لافتة على الصمود بعد ثلاثة أشهر من اندلاع الحرب. ارتفعت أسعار الرحلات الجوية الداخلية والوقود والبلاستيك، لكن التأثير ظل محدودا مقارنة بدول آسيوية أخرى تعتمد بصورة أكبر على النفط المستورد وتواجه ضغوطا حادة في مجال الطاقة.

📱

Loading TikTok...

أمن طاقي بُني على مدى عقود

بحسب ميشال ميدان من معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، فإن الأزمة الحالية أثبتت أن عقودا من الاستعدادات الصينية بدأت تؤتي ثمارها. تنتج الصين اليوم محليا نحو 84% من احتياجاتها من الطاقة الأولية وأكثر من 90% من الكهرباء، اعتمادا على الفحم والنفط والغاز والطاقة النووية والكهرومائية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية.

وتشير تقديرات موقع أويل برايس إلى أن الصين كانت تمتلك قبل اندلاع الحرب أكثر من مليار برميل من النفط المخزن في الاحتياطيات والمخزونات التجارية، ما جعلها نموذجا عالميا للتخطيط المسبق في مجال الأمن الطاقي. وقد سمح هذا المخزون الضخم لبكين بالتعامل مع اضطرابات الإمدادات من دون الدخول في حالة ذعر أو استنزاف احتياطياتها الاستراتيجية.

انخفاض قياسي في الواردات

وأوضحت ليزيكو أن الصين حققت ما وصفته بـ"الإنجاز الطاقي" بعدما تمكنت من تقليص وارداتها النفطية من دون السحب من الاحتياطي الاستراتيجي. ووفق بيانات شركة كبلر، تراجعت واردات الخام الصينية في مايو إلى 6.78 ملايين برميل يوميا، وهو أدنى مستوى خلال عشر سنوات.

ومنذ اندلاع الحرب، انخفضت الواردات بأكثر من الثلث مقارنة بمستويات ما قبل النزاع، حين كانت تقترب من 11 مليون برميل يوميا.

ويرى محللون أن بكين اتخذت قرارا متعمدا بتقليص المشتريات الخارجية بسبب ارتفاع الأسعار. فمع اقتراب خام برنت من 95 دولارا للبرميل، اعتبرت الشركات النفطية الحكومية الصينية أن الشراء بهذه الأسعار سيؤدي إلى خسائر مالية، وفضّلت الانتظار بدلا من زيادة الواردات.

وتقول مويو شو، المحللة في شركة كبلر، إن أحد أسباب بقاء الأسعار العالمية دون مستوى 120 دولارا للبرميل هو أن الصين تشتري حاليا كميات أقل بكثير مما كانت تشتريه قبل الحرب.

كيف ساعدت الصين في تهدئة السوق؟

لا تقتصر أهمية الخطوة الصينية على حماية الاقتصاد المحلي، بل تمتد إلى الأسواق العالمية. فالصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم، وأي زيادة كبيرة في طلبها خلال الأزمة كانت ستدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير.

وتشير كبلر إلى أن المصافي الصينية خفضت مشترياتها الخارجية بوتيرة أسرع من انخفاض معدلات تشغيلها، ما يعني أنها اعتمدت جزئيا على المخزونات المتراكمة لديها. ونتيجة لذلك، تراجع تأثير الصين في عملية تحديد الأسعار العالمية مقارنة بالفترات السابقة.

لكن هذه المعادلة قد لا تستمر طويلا. فبحسب موقع أويل برايس، لا يتراجع الطلب الصيني على الطاقة بالسرعة الكافية لتعويض الانخفاض الكبير في الواردات. وإذا استمرت الأزمة، فقد تضطر بكين إلى العودة بقوة إلى الأسواق العالمية لشراء النفط، وهو ما قد يؤدي إلى قفزة حادة في الأسعار، خاصة أن العديد من المستثمرين ما زالوا يراهنون على انخفاض السوق ويقللون من احتمالات نقص الإمدادات.

الفحم والسيارات الكهربائية كصمامات أمان

ولم تعتمد الصين على مخزوناتها النفطية فقط، بل فعّلت مجموعة واسعة من أدوات الحماية. فقد لجأت إلى احتياطياتها الضخمة من الفحم، الذي يمثل نحو 61% من مزيج الطاقة لديها، لإنتاج الغاز الصناعي وتعويض جزء من نقص الغاز الطبيعي المسال المتأثر بأزمة مضيق هرمز.

كما استفادت من مخزوناتها الكبيرة من الغاز، بل وتمكنت في بعض الحالات من إعادة بيع شحنات غاز مستوردة إلى الأسواق الدولية مستفيدة من ارتفاع الأسعار.

وفي قطاع النقل، ساعد الانتشار الواسع للسيارات الكهربائية والقطارات فائقة السرعة على تخفيف أثر ارتفاع أسعار النفط. فاليوم تمثل السيارات الكهربائية أكثر من نصف مبيعات السيارات الجديدة في الصين، بينما تمتلك البلاد أكبر شبكة قطارات سريعة في العالم.

ووفق تقديرات غولدمان ساكس، انخفض الطلب على البنزين في الصين بنسبة 20% خلال أبريل. وقالت ستيلا لي، نائبة رئيس شركة بي واي دي، إن ارتفاع أسعار النفط شكل "جرس إنذار" للمستهلكين، إذ باتت قيادة سيارة كهربائية وسيلة مباشرة لتقليل النفقات.

متى تنتهي المناعة الصينية؟

ورغم الأداء القوي حتى الآن، يحذر خبراء الطاقة من أن قدرة الصين على الصمود ليست غير محدودة. فبحلول أواخر يوليو أو مطلع أغسطس، قد تبدأ المخزونات بالتراجع إلى مستويات تدفع المصافي الصينية إلى زيادة وارداتها مجددا.

وإذا حدث ذلك في ظل استمرار التوترات في الشرق الأوسط وعدم التوصل إلى تفاهم بين واشنطن وطهران، فقد تجد الأسواق نفسها أمام موجة جديدة من الارتفاعات السعرية. وفي هذه الحالة، لن تكون الصين مجرد متفرج على الأزمة، بل لاعبا رئيسيا قد يحدد حجم الطلب العالمي واتجاه أسعار النفط خلال المرحلة المقبلة.