في بلدة صغيرة على الساحل الغربي للدنمارك، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول المصانع الهادئة إلى قلب ثورة عالمية في إنقاص الوزن، ولا أن يصبح اسم كالوندبورغ مرتبطا بعقار غيّر حياة الملايين، بعدما اكتشفت شركة نوفو نورديسك أن المادة الفعالة في دواء السكري أوزمبيك يمكن أن تؤدي إلى فقدان الوزن بشكل كبير، لتتحول المدينة إلى مركز إنتاج عالمي يجذب الاستثمارات والعمالة ويعيد رسم خريطة الاقتصاد المحلي، بحسب سي إن إن.
لكن هذا الصعود السريع يواجه اليوم تحديا جديدا، إذ تقف المدينة أمام تهديد صامت قادم من آسيا، حيث تستعد شركات في الهند والصين لإنتاج نسخ أرخص من هذه الأدوية مع اقتراب انتهاء براءة الاختراع، ما ينذر بإعادة تشكيل السوق العالمية وفتح الباب أمام منافسة قد تهز الأساس الذي قامت عليه طفرة كالوندبورغ، وفقا للتقارير.
كالوندبورغ.. المدينة التي صنعها أوزمبيك
في مدينة لا يتجاوز عدد سكانها 17 ألف نسمة، بدأت القصة مع شركة نوفو نورديسك التي اكتشفت أن المادة الفعالة في دواء السكري أوزمبيك تؤدي إلى فقدان الوزن بشكل كبير، ما دفعها إلى إنتاج عقار ويغوفي من مصانعها في كالوندبورغ، بحسب سي إن إن.
هذا الاكتشاف حوّل المدينة إلى مركز عالمي لصناعة الأدوية، إذ ضخت الشركة استثمارات ضخمة بلغت نحو 9.3 مليارات دولار منذ عام 2021 لتوسيع الإنتاج.
ويقول مارتن سورنسن، أحد العاملين في القطاع، إن "الناس كانوا يتنقلون سابقا إلى كوبنهاغن للعمل، أما اليوم فالأمر انعكس"، في إشارة إلى الطفرة الاقتصادية التي جذبت العمالة إلى المدينة.
كما ساهمت هذه الأدوية في دفع الشركة لتصبح الأكثر قيمة في أوروبا عام 2023، بل ويؤكد دانسك بنك أن نجاحها ساعد الاقتصاد الدنماركي على تجنب الركود.
ذروة الصعود.. الذهب الذي غيّر ملامح الاقتصاد
خلق الطلب العالمي الهائل على أدوية إنقاص الوزن ما يشبه "حمى ذهب" في كالوندبورغ، حيث تحوّلت المصانع إلى خطوط إنتاج لا تتوقف، وأصبحت المدينة محورا لصناعة تقدر بمليارات الدولارات.
لكن هذا النجاح لم يكن بلا ثمن، فالشركة أصبحت تعتمد بشكل كبير على مادة سيماجلوتايد، وهو ما وصفه محلل الأدوية في جيفريز مايكل ليوشتن بأنه جعلها "مكشوفة بشكل كبير" أمام المنافسة.
ومع اشتداد المنافسة، خاصة من شركة إيلي ليلي الأميركية، بدأت المؤشرات تتغير، حيث تراجعت قيمة سهم الشركة بشكل حادّ بعد ذروته في 2024، كما أعلنت عن تسريحات واسعة للعمال وتوقعات بانخفاض الأرباح.
التهديد القادم.. الهند والصين تدخلان السباق
مع اقتراب انتهاء براءة اختراع المادة الفعالة سيماجلوتايد في دول مثل الهند والصين، بدأت ملامح تحول جذري في السوق العالمية تظهر، حيث تستعدّ شركات الأدوية هناك لإنتاج نسخ أرخص بكثير، بحسب نيويورك تايمز.
في الهند، يتوقع محللون انخفاض الأسعار بنسبة قد تصل إلى 90%، مع دخول عشرات الشركات إلى السوق، في ما وصفه مسؤول في مجلس تصدير الأدوية بأنه "موجة قادمة من هذا المنتج فور انتهاء البراءة".
كما أطلقت بالفعل شركات هندية نسخا بأسعار أقل بنسبة تصل إلى 80% مقارنة بالمنتج الأصلي، في محاولة لكسر احتكار السوق، بحسب سي إن بي سي.
وفي الوقت نفسه، تعمل شركات صينية على تطوير أدوية مماثلة، بما في ذلك أقراص فموية أسهل استخداما وأقل تكلفة، وهو ما قد يؤدي إلى "حرب أسعار" عالمية، بحسب خبراء في القطاع، وفقا لبزنيس ستاندارد.
بين الصمود والتراجع.. مستقبل مدينة على المحك
هذا التحول يضع كالوندبورغ أمام اختبار صعب، فمع تراجع الاحتكار واشتداد المنافسة، لم يعد النجاح مضمونا كما كان.
وصف الرئيس التنفيذي للشركة مايك دوستدار الوضع بأنه "لعنة الريادة"، مشيرا إلى أن الشركة كانت "تمهد الطريق للآخرين"، بينما يرى محللون أن الاعتماد المفرط على منتج واحد زاد من هشاشتها.
ورغم محاولة نوفو نورديسك الدفاع عن موقعها عبر خفض الأسعار وتوسيع منتجاتها، فإن دخول المنافسين بأسعار منخفضة قد يعيد تشكيل السوق بالكامل.
وبينما تواصل المدينة الاعتماد على هذا القطاع الحيوي، يبقى السؤال مفتوحا: هل تستطيع كالوندبورغ الحفاظ على مكانتها، أم أن الثورة التي صنعتها قد تصبح هي نفسها بداية تحولها.





