بعد التصعيد في مضيق هرمز وما كشفه من هشاشة طرق التجارة العالمية أمام الصراعات العسكرية، تبدو الصين وكأنها تستخلص درسا استراتيجيا واضحا: الممرات البحرية ليست مجرد طرق عبور، بل أدوات نفوذ يمكن استخدامها أو تعطيلها في لحظات التوتر.
وفي هذا السياق، جاء تحرك بكين للضغط على شركات أوروبية للانسحاب من موانئ قناة بنما، في خطوة تعكس محاولة استباقية لحماية موقع أكثر حساسية وتأثيرا في التجارة العالمية، بحسب تقرير فايننشال تايمز.
درس هرمز.. عندما يتحول الممر إلى سلاح
أظهرت أزمة مضيق هرمز أن السيطرة على ممر بحري ضيق يمكن أن تهز أسواق الطاقة وتربك الاقتصاد العالمي.
رغم كون المضيق ممرا طبيعيا يخضع لقواعد دولية، فقد تحول إلى ورقة ضغط عسكرية وسياسية، سواء من جانب إيران أو الولايات المتحدة.
كشف هذا الواقع لبكين أن الاعتماد على ممرات لا تسيطر عليها بشكل مباشر يمثل نقطة ضعف استراتيجية، خاصة في ظل تصاعد التوترات الدولية. فحتى دون إغلاق كامل، يكفي تعطيل جزئي أو تهديد مستمر لرفع التكاليف وإرباك سلاسل الإمداد. ومن هنا، بدأت الصين إعادة تقييم مواقعها في الممرات البحرية حول العالم، ليس فقط من زاوية التجارة، بل من زاوية الأمن الاستراتيجي.
بنما.. الممر الذي يمكن التحكم به
على عكس مضيق هرمز، تمثل قناة بنما حالة مختلفة تماما. فهي ممر صناعي يخضع لسيطرة دولة واحدة، ويمكن تنظيم حركة المرور فيه بشكل مباشر عبر الموانئ والبنية التحتية.
هذا ما يجعلها، من منظور استراتيجي، أكثر قابلية للسيطرة من أي مضيق طبيعي. فمن يدير الموانئ المرتبطة بالقناة، يملك تأثيرا فعليا على تدفقات التجارة العالمية.
وكانت الصين تمتلك هذا النفوذ عبر شركة مرتبطة بهونغ كونغ، قبل أن تُجرد من امتيازاتها وتُمنح لشركتي "ميرسك" و"MSC". هذا التحول دفع بكين إلى التحرك بسرعة، مطالبة الشركات الأوروبية بالانسحاب، ومحذرة من الإضرار بمصالحها، في إشارة واضحة إلى أهمية القناة ضمن حساباتها الاستراتيجية.
حماية سلاسل الإمداد.. أم صراع نفوذ؟
لا يمكن فصل التحرك الصيني عن سياق أوسع من التنافس مع الولايات المتحدة على السيطرة على البنية التحتية العالمية. فبكين تسعى إلى ضمان ألا تتحول قناة بنما إلى نقطة ضغط ضدها، كما حدث في هرمز.
وفي هذا الإطار، عززت الصين أدواتها القانونية، حيث أدخلت هذا الشهر لوائح واسعة تجعل من غير القانوني "الإضرار بأمن سلاسل الإمداد الصناعية للبلاد"، ولوّحت بإمكانية فرض قيود مثل منع مغادرة المخالفين.
كما أقرت هذا الأسبوع قواعد جديدة لمواجهة ما تصفه بـ"الاختصاص القضائي الخارجي غير المبرر" من قبل حكومات أجنبية، ما يمنحها صلاحيات أوسع لتقييم هذه الإجراءات والرد عليها عبر أدوات تشمل التجارة والاستثمار والتعاون الدولي.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة واضحة. فبحسب أشخاص مطلعين على المفاوضات، قد يفتح انسحاب الشركات الأوروبية الباب أمام شركات أميركية لتولي تشغيل الموانئ، وهو سيناريو قد يكون أسوأ لبكين، لأنه يعزز النفوذ الأميركي في واحد من أهم الممرات التجارية في العالم.
تعكس أزمة بنما تحولا في التفكير الصيني، من الاكتفاء باستخدام الممرات البحرية، إلى السعي للسيطرة عليها أو تحييدها. فبعد درس هرمز، يبدو أن بكين لم تعد مستعدة لترك شرايين التجارة العالمية خارج دائرة نفوذها.





