تدرس الأوساط المصرفية والسياسية في لبنان خيار بيع أو تأجير جزء من احتياطات الذهب الضخمة لدى المصرف المركزي، التي قفزت قيمتها مع ارتفاع الأسعار العالمية، كوسيلة لإنقاذ الاقتصاد المنهك، بحسب تقرير لفايننشال تايمز.

غير أن هذا الطرح يظل شديد الحساسية شعبياً، ما يدفع كثيرين إلى مناقشته خلف الأبواب المغلقة بدلاً من طرحه صراحة على الرأي العام.

ذهب لبنان

يمتلك المصرف المركزي نحو 280 طناً من الذهب، وهي ثاني أكبر احتياطات في الشرق الأوسط بعد السعودية.

وقد بدأت عملية تكوين هذه الاحتياطات في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي لدعم قيمة الليرة اللبنانية.

ومع الارتفاع العالمي غير المسبوق لسعر الذهب، بنحو 70% خلال عام واحد، ارتفعت قيمة هذه الاحتياطات إلى نحو 45 مليار دولار مطلع 2026، أي ما يعادل أكثر من نصف الخسائر المالية المقدّرة.

حل على حساب المواطنين؟

لكن القانون اللبناني يحظر بيع الذهب أو تأجيره، ما يستوجب تشريعاً من البرلمان للسماح باستخدامه.

وهنا تكمن حساسية الملف: فالاقتراح يُنظر إليه شعبياً كحل ينقذ المصارف وكبار المودعين على حساب عامة المواطنين.

الأزمة التي اندلعت عام 2019، حيث مُنع المودعون من الوصول إلى أموالهم، وتخلّفت الدولة عن سداد ديونها، وفقدت العملة أكثر من 90% من قيمتها، تعود إلى نقص حاد في العملات الأجنبية، بعد سنوات من نموذج مالي وصفه البنك الدولي بأنه أشبه بـ"مخطط بونزي"، حيث مُنحت فوائد مرتفعة على الودائع بالدولار.

لماذا يُخشى طرح بيع الذهب علناً؟

ورغم أن المصارف ترفض تحمّل الجزء الأكبر من الخسائر المقدّرة بنحو 70 مليار دولار، تقول الدولة إنها غير قادرة على سد الفجوة. ومع ذلك، يرى محللون أن ارتفاع قيمة الذهب يفتح باباً لتفادي قرارات مؤلمة، وهو ما يفسر جزئياً شدة الجدل حوله.

مشروع "قانون الفجوة المالية" الذي قدمته الحكومة، وهو شرط أساسي للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، لا يتضمن استخدام الذهب، ويرى بعض الخبراء أن تطبيقه عملياً قد يفرض ذلك.

فالمصرف المركزي، وفق تقديراتهم، يفتقر إلى السيولة اللازمة للوفاء بالمدفوعات الموعودة ما لم يُستخدم جزء من الذهب.

مخاوف من غضب الشارع

الخبير الاقتصادي مايك عازار يحذّر من أن خطة السداد المقترحة قد تؤدي إلى تعثر جديد إذا لم يوافق البرلمان على بيع الذهب، قائلاً: "إذا كانت الخطة تعتمد على الذهب، فليُعلن ذلك بوضوح، لا يمكن تمرير قانون قد يفشل عملياً ثم تأجيل القرار الحقيقي إلى المستقبل".

ومع ذلك، نادراً ما يُطرح هذا الخيار علناً. فحساسيته السياسية العالية تجعل النقاشات تدور في الكواليس.

أحد المصرفيين المؤيدين للبيع أقرّ بأن المصارف تتجنب طرح الفكرة علناً خوفاً من زيادة غضب الشارع.

المنتقدون يعتبرون الذهب "أصول الشعب"، وتوضح لميا المبيّض، رئيسة معهد باسل فليحان، الفكرة بتشبيه أسري: "بيع الذهب لسداد أموال المودعين يشبه بيع ثروة المنزل لإنقاذ طفل واحد من خمسة، قد تختفي الديون محاسبياً، لكن الثروة تتركز بيد طرف واحد على حساب الآخرين".