حملت الإجراءات القوية التي اتخذتها الصين رداً على قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التجارية رسالةً لا لبس فيها، وهي أن بكين قادرة على استيعاب أي ألم لكي تمارس ضغطاً حقيقياً على الولايات المتحدة.

ففي أبريل الماضي، وبعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية باهظة على المنتجات الصينية، ردت بكين بفرض قيود على تصدير 7 معادن أرضية نادرة حيوية للصناعات العسكرية والتكنولوجية الأميركية.

وفي مايو أوقفت بكين استيراد فول الصويا الأميركي الذي يمثل أكبر سلعة تصديرية أميركية للصين من حيث قيمة الصادرات. وفي أكتوبر، وبعد أن وسعت إدارة ترامب نطاق قيود التصدير لتشمل الشركات التي تمتلك شركات صينية حصة الأغلبية فيها، أضافت بكين 5 معادن أخرى إلى قائمة معادن الأرض النادرة الخاضعة لقيود التصدير.

الجرأة وليس التهوّر

وفي تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، قالت تسونغ يوان تسو ليو، الباحثة الزميلة في برنامج "مارويس آر غرينبرغ" للدراسات الصينية في مجلس العلاقات الخارجية الأميركية، إن النهج الصيني في التعامل مع قرارات ترامب كان جريئاً، إلا أنه لم يكن متهوراً.

فباختيارها الرد المحسوب، حافظت بكين على نافذة التفاوض، وأبقت منافذ التراجع مفتوحة؛ ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين المرونة والضعف، فإلى جانب تحركاتها المعلنة، طورت الصين ترسانة قوية من الحواجز غير الجمركية والأدوات القانونية التي تستطيع استخدامها عند الحاجة.

وبتخليها عن ضبط النفس الاستراتيجي الذي ميز نهجها السابق تجاه الولايات المتحدة، أظهرت الصين استعدادها لتسخير هيمنتها على سلاسل التوريد كسلاح في صراعها مع واشنطن.

تعهد رئاسي بإنهاء "قرن الإذلال"

ومما يعزز هذا الموقف المتشدد اعتبارات سياسية داخلية؛ فالقادة والمفاوضون الصينيون عازمون على تجنب ردة الفعل الشعبية الغاضبة التي أعقبت اتفاقية المرحلة الأولى التجارية لعام 2020 بين بكين وإدارة ترامب الأولى، والتي بدت في نظر العديد من المعلقين الصينيين مجحفة بحق الصين.

بالنسبة للرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي تعهد بإنهاء "قرن الإذلال" الذي عاشته الصين، أصبحت رغبته في مواجهة واشنطن وسيلة لترسيخ مكانته كزعيم أعلى للبلاد، مبشراً بـ"نهضة وطنية".

مع ذلك، لا يمكن اختزال نهج بكين باعتباره مجرد تكتيكات انتقامية أو نزعة قومية، وإنما باعتباره استراتيجية وطنية تمت بلورتها على مدى سنوات. فقد أمضى قادة الصين وقتاً في الاستعداد لعودة ترامب إلى السلطة في واشنطن، كما أنهم ينظرون إلى الحرب التجارية كجزء من صراع أوسع نطاقاً يمكن أن يستمر لعقود.

ماذا تريد بكين من واشنطن؟

على المدى القريب، تتمثل أولوية بكين في الحصول على التنازلات اللازمة بشأن التكنولوجيا المتقدمة لتسريع تطوير أشباه الموصلات المحلية وتقليل الاعتماد على الواردات. أما على المدى المتوسط، فتهدف إلى تعزيز قدراتها التكنولوجية، وتنويع أسواق التصدير، والاستحواذ على حصة أكبر من أسواق الصادرات ذات القيمة المضافة في سلاسل التوريد العالمية للحد من النفوذ الأميركي.

وأخيراً، وعلى المدى البعيد، تعتزم بكين إقامة بنية تجارية ومالية عالمية بديلة للبنية التحتية التي يسيطر عليها الدولار الأميركي، بما يكفي لتجريد الولايات المتحدة من قدرتها على فرض عقوبات أحادية الجانب.

وترى تسونغ يوان تسو ليو، مؤلفة كتاب "صناديق الثروة السيادية: كيف يمول الحزب الشيوعي الصيني طموحاته العالمية"، أنه مع تراجع واشنطن عن التعددية الدولية وانغماسها المتزايد في الاستقطاب الداخلي، ستواصل بكين استغلال الفرص لتعزيز أهدافها الجيوسياسية.

السيطرة على سلاسل الإمداد

ومن الناحية النظرية، تستطيع الصين عمل ذلك بالفعل؛ فهي تمتلك موارد مالية ضخمة، وتسيطر على سلاسل إمداد الطاقة النظيفة، وتقود أكبر جيش نظامي في العالم، وقد أثبتت شركاتها المتخصصة في الذكاء الاصطناعي قدرتها على مواكبة نظيراتها الأميركية، لكن الولايات المتحدة تحتفظ بأشكال أخرى من النفوذ العالمي يصعب على الصين مجاراتها.

وكما يشير تحليل دقيق لما تملكه كل دولة من العوامل الأربعة المعروفة باسم "فور سي" (4Cs) وهي:

  1. الإبداع
  2. التفكير النقدي
  3. الاتصالات
  4. التعاون؛