تُظهر اللوحة فتاة ترتدي قبعة وأخاها الأصغر، وهما يحدّقان عبر ساحل نورماندي نحو أفق مجهول.

أما العمل الفني نفسه، فقد واجه مستقبلًا مجهولًا عام 1942، حين تم شراؤه في باريس لصالح أدولف هتلر، ضمن عدد لا يُحصى من الأعمال التي نهبها النازيون من يهود أوروبا.

وفي يوم الثلاثاء، عُرضت اللوحة بشكل دائم في قاعة جديدة بمتحف أورسيه في باريس، ضمن مسعى متأخر من فرنسا لمواجهة إرث نهب الفن خلال الحقبة النازية. وتُعد هذه القاعة الأولى في تاريخ المتحف المخصصة لعرض روائع فنية “يتيمة” من تلك الفترة.

كما أنها أول عرض من نوعه في فرنسا تُعلّق فيه اللوحات بطريقة تتيح للزوار قراءة ما على ظهرها، من أختام وملصقات وعلامات جرد توثّق مسار انتقال كل عمل فني من المنازل الخاصة إلى أيدي النازيين.

Image 1

اللوحة، للفنان البلجيكي ألفريد ستيفنز، كانت مخصصة في الأصل لمتحف كان هتلر يخطط لبنائه في لينتس بالنمسا، لكنها نُقلت لاحقًا إلى منزله الجبلي في بافاريا عام 1943. ولم يُبنَ المتحف بعد هزيمة ألمانيا.

2200 عمل يتيم

لوحة ستيفنز التي تعود لعام 1891 ليست حالة فريدة، بل واحدة من نحو 2200 عمل فني “يتيم” في فرنسا، تُعرف باسم "استعادة المتاحف الوطنية". وقد استُعيدت هذه الأعمال من ألمانيا والنمسا بعد 1945، وأُودعت لدى المتاحف الفرنسية في خمسينيات القرن الماضي.

ولم يُطالب بها أحد حتى الآن، إذ لا تملكها الدولة، بل تحتفظ بها أمانةً لصالح ورثة محتملين. ويحتفظ متحف أورسيه بـ225 عملًا من هذه المجموعة.

وتوقفت ماري دوبويس، وهي معلمة متقاعدة من ليون، أمام لوحة ستيفنز قائلة “رأيت هذه الحروف الثلاثة من قبل في اللوفر، ولم أكن أعرف معناها. ظننتها تشير إلى متبرع”.

وأطلق المتحف مؤخرًا وحدة بحثية لتتبع أصحاب هذه الأعمال، تضم ستة باحثين فرنسيين وألمان بقيادة إيناس روترموند-راينارد، المسؤولة عن أبحاث الملكية بالمتحف. وتعرض القاعة الجديدة 13 عملًا من هذه المجموعة.

مواجهة متأخرة مع الماضي

تواجه فرنسا اليوم، بشكل علني، أحد أطول فصول الصمت في ذاكرتها بعد الحرب: نهب وبيع وضياع الأعمال الفنية خلال الحقبة النازية، ودور بعض الفرنسيين في ذلك.

Image 1

ومنذ أواخر الستينيات، بدأ مؤرخون ووثائقيون في كشف ما حدث خلال حكم فيشي المتعاون مع النازيين، بما في ذلك ترحيل 80 ألف يهودي من فرنسا، وازدهار سوق الفن في باريس على حساب ممتلكاتهم.

وفي عام 1995، اعترف الرئيس جاك شيراك لأول مرة بمسؤولية الدولة الفرنسية، وأُطلقت في 1997 تحقيقات وطنية بشأن نهب الأعمال الفنية.

ومن بين نحو 100 ألف قطعة ثقافية نُهبت من فرنسا، استُعيد 60 ألفًا، وعاد 45 ألفًا إلى أصحابها، بينما بقي نحو 15 ألفًا بلا مالك معروف، اختير منها 2200 عمل ضمن مجموعة الاستعادة.

ولعقود، ظل هذا الملف شبه مجمّد، إذ لم تُعد فرنسا سوى أربع قطع بين 1954 و1993. لكن منذ التسعينيات، تغير الوضع، وأعاد متحف أورسيه وحده 15 عملًا منذ 1994.

سوق الفن في زمن الاحتلال النازي

من بين الأعمال المعروضة، قطعة لإدغار ديغا اشتراها جامع يهودي قُتل في أوشفيتز، ولوحة لرينوار بيعت في ظروف غامضة عام 1941، وأخرى لبول سيزان يُرجح الآن أنها أصلية بعد أن اعتُبرت مزيفة سابقًا.

وكانت باريس في مطلع القرن العشرين مركزًا رئيسيًا لسوق الفن في أوروبا الغربية، حيث استمر مزاد "أوتيل دروو" خلال الاحتلال النازي، مع مشاركة تجار فرنسيين ومشترين ألمان، فيما استولى عملاء هتلر على أفضل الأعمال.

Image 1

وأشارت روترموند-راينارد إلى أن المتاحف الألمانية أرسلت مشترين إلى باريس للاستفادة من سوق مليء بالأعمال المنهوبة، بينما سعى هتلر لبناء أكبر متحف في العالم.

كما قام هيرمان غورينغ، نائب هتلر، بزيارة باريس 21 مرة للاستيلاء على أعمال فنية من مجموعات يهودية.

وترى الباحثة أن هذه الأعمال لا يمكن فصلها عن المحرقة، إذ كانت جزءًا من أيديولوجيا نازية تهدف إلى محو الحياة اليهودية.