تحقيق: هدى زكريا - أيمن معتوق - وسيم عرابي

في تونس، البلاد التي تعتبر رائدةً في حماية المرأة ودعم حقوقها، تتحوّل الشكاوى ضدّ العنف الذي يتعرضن له إلى أوراق بلا أثر في كثير من الأحيان، فيما التعهّدات بـ"عدم التعرّض" وعود تتبخر سريعاً.. قصص كثيرة محورها نساء معنّفات؛ بعضهن نَجوْنَ، وأخريات قُتلن. "ليلى"، "صابرين"، "عفيفة" و"أسماء" لسْنا استثناءات، بل وجوه مختلفة لجريمة واحدة تحمل اسماً واضحاً: "الفيمينسيد"، القتل العمد للنساء والفتيات بسبب النوع الاجتماعي.

في هذا التحقيق نكشف الهوّة العميقة بين النصوص القانونية والواقع المُعاش، بين الخطاب الرسمي والدم الذي ما زال يسيل في البيوت. ومن خلال شهادات الضحايا ومعطيات الاستبيانات التي أجريناها، ييبقى السؤال: لماذا يفشل القانون في حماية النساء، رغم أنّه موجود؟

في صباح يوم عادي من ربيع العام 2024، اعتقدت صابرين ذات الـ 34 عاماً، أنّ قرار المحكمة بالطلاق، الصادر مطلع أبريل من العام نفسه، سيقلب صفحة من الألم لديها، وأنّ الفصل الجديد من حياتها سيكون بداية لحياة آمنة.

لكنّها لم تكن تعلم أنّ مسلسل التهديد الذي تعرّضت له لم يتنهِ، كما لم تكن تدرك أنّ الالتزام الكتابي الموقّع تحت عنوان "عدم الاقتراب"، لن يكون سوى ورقة بلا مفعول بالنسبة لرجل كان اتخذ قراره بإنهاء حياتها ومعها الأسرة بالكامل.

صابرين شابّة من منطقة الجبل الأحمر، حيث يعرف أهلها بعضهم بعضاً.. بيت بسيط، أمّ حنونة، وخال كريم يزور الأسرة من حين إلى آخر. طوال الشهور السابقة، كانت تتعرّض لمضايقات وتهديدات متكرّرة من قبل طليقها: رسائل، مكالمات، وظهور مفاجئ في أماكن عملها وحيث تسكن.

قبل الحادثة لجأت صابرين إلى الجهات الرسمية موجهةً إلى طليقها الاتهامات بالتعرّض إليها، وبناءً على ذلك، طُلِب منه التوقيع على "التزام" بعدم الاقتراب وعدم الإزعاج. لكنّ ذلك الإجراء لم يرافقه أيّ خطوات عملية لحماية الضحية أو رصد مستمر لمستوى الخطر الذي كانت تعيشه.

بعد صدور حكم الطلاق، اعتقدت الأسرة أنّ الخطر تراجع، لكن بعد أيّام قليلة، دخل طليقها منزلهم وقد اتخذ قراره بتنفيذ جريمته بوحشية من دون أن يردعه أيّ التزام مكتوب، فارتكب مجزرة أودت بحياة صابرين وأمّها وخالها.

الفيمينسيد.. جريمة قتل بسبب النوع الاجتماعي

قصة صابرين تركت سلسلة من الأسئلة أهمّها، لماذا لم تتم حمايتها رغم التقدّم بشكاوى؟ ليس ذلك مجرّد سرد لجريمة بشعة، إنّها شهادة على عدم جدوى الحماية الأمنية، إذ أنّه عندما تُبلَّغ إمرأة ما عن تهديد متكرّر، وعندما تستدعي السلطات المشتبه به ويُطلب منه التوقيع على التزام بعد التعرّض، لا يكفي أن تتوقف الإجراءات عند حدود الحبر والورق. وبالتالي فإنّ التزام "لا تقترب" يجب أن يرافقه تنفيذ فعلي: مراقبة، إنذار مبكر، حماية مؤقتة، أو أيّ إجراء يضمن سلامة الضحية وليس مجرّد شكليات يمكن تجاهلها، على حدّ قول المحامية ماجدة مستور .

فراغ الحماية الأمنية.. عندما تصبح الشكوى مجرد حبر على ورق

شهاداتُ المحيطين بالعائلة (الجيران) وأهل الحي، أكّدت أنّ التهديدات كانت معروفة: "كان الرجل يكرّر: سأقتلك"، و"كان يظهر ليلاً ويتتبّع خطواتها". كذلك فقد بيّنت سجلّات هواتف المشتبه به تحرّكاته المريبة قبل ارتكاب الحادثة وبعدها. ومع ذلك، فلم تُسْهم هذه المؤشرات باتخاذ إجراءات وقائية عملية تُنقذ حياة أفراد العائلة.

قصّة صابرين ليست قضية فرديّة، ولكن كما تقول الناشطة الحقوقية مُنية قاري، فهي مؤشّر بنيوي على خلل في منظومة الحماية، حيث أنّ الإجراءات الرسمية الخاصة بالعنف ضدّ النساء تحتاج إلى خطوات سريعة وواضحة: تسجيل جدّي للتهديدات، تصنيف حالات الخطر، توفير حماية فورية (حراسة مؤقتة، نقل الضحية إلى مكان آمن، منع التواصل الفعّال من قبل الشخص الذي يُصدر التهديد)، ومتابعة تنفيذ الالتزام، في حين أنّ هذا الإلتزام إنْ بقي حبراً على ورق فقط بلا متابعة ميدانية، فهو هو أشبه بوعد بالحصانة لا قيمة له أمام مَنْ قرّر القتل.

Image 1

صابرين وأمّها وخالها لم تمنحهم الإجراءات الورقية فرصة العيش، إذ كان من المفترض أن تتحوّل الشكاوى من كلام إلى أفعال. ومثلما انتهت مأساة صابرين بهذه الطريقة، نجد صدى مماثلاً في قرية صغيرة بولاية سوسة، حيث كانت تسكن عفيفة البوزي التي رأت أسرتها تحترق أمام عينيها.

مأساة عفيفة.. نموذج متكرر لفشل الحماية

"عفيفة" صاحبة الثلاثين عاماً وُلدت ونشأت في كنف أسرة متماسكة رغم ضيق الحال، وكانت الإبنة الكبرى التي تتحمّل المسؤولية مع شقيقتها دنيا. كانت الشقيقتان تعملان في مصنع قريب وتتكفلان بمصاريف المنزل بعدما توقف الأب عن العمل. لكن في مساءٍ صيفي من أغسطس العام 2021، تحوّل البيت الهادئ إلى "مسرح جريمة" لا يمكن نسيانها.

آنذاك، علاقة ارتباط عفيفة بشابٍ يُدعى محرز لم تستمر وقد انفصلا في فترة الخطوبة. الشاب لم يتقبّل أمر الانفصال، فراح يطاردها بالرسائل والتهديدات، فيما أقدمت هي على تقديم شكوى رسمية ضدّه، لكنّ ذلك لم يكن كافياً لحمايتها.

منتصف شهر أغسطس العام 2021، اقتحم محرز المنزل وقام بإضرام النار فيه، تاركاً الأب محمد ضحية، والأم وابنتها دنيا مُصابتين بحروق بالغة، فيما نجت عفيفة لتحمل معها ذكريات مؤلمة ترافقها حتّى آخر يوم في حياتها، ونقمة على مَنْ كان يُفترض أن يؤمن لها الحماية بعدما تقدّمت بشكوى مستنجدةً بالقانون.. لكن في النهاية وجدت نفسها متروكة تواجه مصيراً كان يمكن منعه.

صابرين وعفيفة، حالتان تعكسان قصّتين متشابهتين بتفاصيلَ مختلفة لكن بنمط متكرّر.. تحذيرات واضحة، بلاغات رسمية، التزامات شكلية، ثمّ وقوع الكارثة. وبالتالي فإنّ أيّ إنذار مُبكر وشكوى لم تتم ترجمتهما إلى حماية فعلية، يتركان الضحايا أمام مصير مشؤوم كان بالإمكان منعه لو كانت الإجراءات الأمنية فعّالة.

العنف ليس اضطرابًا نفسياً بل "ثقافة ذكورية"

الدكتورة حياة الورتاني، الناشطة المدنية وخبيرة علم النفس الكلينيكي، توضح أنّ جرائم قتل النساء لا تُعزى غالباً إلى اضطرابات نفسية، بل إلى ثقافة ذكورية مترسّخة وعلاقات قائمة على الهيمنة، مشيرةً إلى أنّ هذه الجرائم تعكس نظرة دونية للمرأة، واعتبارها "مجرّد ملكية للرجل"، وأنّ الانفصال أو محاولة الخروج من دائرة السيطرة الزوجية أو العاطفية يضاعف خطر التعرض للعنف.